مقالات

محاولة إنقلاب السودان.. رسالة إلى من يهمهم الأمر..!

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

في لحظة فاصلة من مسار الثورة الشعبية السلمية السودانية في أبريل 2019، وصلت فيها إلى لحظة الإنتصار، وقعت قوى الحرية والتغيير في مخ التحالف مع اللجنة الأمنية العسكرية لنظام البشير، تحت مسوّغ إنحياز الجيش إلى الثورة!

في الوقت الذى كانت قوى الثورة الحقيقية تطالب بحكومة مدنية خالصة، كاملة الدسم، وبتأييد من المجتمع الدولي، ممثلا بالأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والإتحاد الأفريقي. وتوج هذا التنازل المخل، بالتوقيع على مسودة الوثيقة الدستورية، التي جعلت من السودان دولة ذات نظام برلماني، على رأسه مجلس سيادي هجين من عسكريين ومدنيين، برئاسة عسكري في دورته الأولي.
ومنذ تلك اللحظة، ضلت الثورة طريقها، وسلكت مسلكا آخر، أبعدها عن مراميها وأهدافها وقيمها.
 وظل مجلس الوزراء، يتخبط بلا هدى أو كتاب منير، وسلم أهم الملفات التنفيذية إلى المكون العسكري، كملف الإقتصاد والسلام والأمن والسياسة الخارجية، فأختلطت الأوراق وتداخلت المهام وغابت الفواصل وساد الإبهام، وإستشرى الفشل، وضرب كل مرافق وفواصل الدولة وتغوّل المكوّن العسكري، وهيمن على كل السلطات التنفيذية تقريبا.
 وإنعكس هذا الواقع على حياة الإنسان، عوزًا و فقرًا، وفقد بديهيات الحياة، كالعلاج والكهرباء والماء النقي الصالح للشرب، في بلد تشقه عشرات الأنهار، ويملك أكبر مخزون عالمي من المياة الجوفية.
واستعرت الحروب القبلية والجهوية فى شرق وغرب البلاد، وفقد الأمن والأمان، وزدادت جرائم السطو والنهب المسلح والسرقة.
وتحت ضغط المجتمع الدولي والإقليمي، وقعت الحكومة إتفاقا معيبا مع الحركات المسلحة فى جوبا، مَثل جانب الحكومة ثلاث أعضاء من مجلس السيادة، ينتمون إلى مناطق النزاع المسلح، فأعطوا أمراء الحرب كل ما طلبوه من سلطة وثروة وتمييز إيجابي، مما سبب ظلما وغُبنًا للإقاليم الأخرى في الوسط والشمال والشرق، فسارعت بالمطالبة بحقها المشروع بالعدل والإنصاف والمساواة، وقامت حركات جماهيرية متبنية تلك المطالب، وصل بعضها إلى حد المطالبة بالإنفصال من السودان، وتكوين دولة جديدة!
وفي الجانب الآخر، علت أصوات الإنفصال فى إقليم دار فور، وأعلن حاكم الإقليم المعين، بأن دار فور مفصولة أصلا إجتماعيا عن باقي المكون السكاني للسودان.
وإنتشر خطاب الحقد والكراهية والعنصرية بصورة غير مسبوقة، مما ينذر بخطر وشيك قادم، إذا تركت الأمور على هذا الحال.
ظهر الصراع جليا بين المكون العسكري والمدني، وإنفرط عقد قوى الحرية والتغيير – الحضانة السياسية للنظام – وبدأت تظهر تحالفات جديدة معادية لمبادئ الثورة، تقودها فلول النظام السابق المُباد، ومدت تواصلها مع النظام نفسه في محاولة لإعادة إعتبارها، وتقديمها في نسخة جديدة لعلها تقبل جماهيريا. كما أن الصراع الخفي بين مليشيات الدعم السريع والجيش، كان يطفو على السطح من وقت لآخر، في ظل واقع أصلا متأزم، بوجود أكثر من 7 جيوش ومليشيات على الساحة.
وثالثة الاثافي، جاءت عندما عدلت الوثيقة الدستورية بطريقة غير شرعية، وأضيفت المادة 80 وفصلت لتعطى أمراء الحرب مواقع تنفيذية وسيادية، وقسمة ظالمة للثروة لإقليم بعينه على حساب باقي الأقاليم، ذات نفس شروط الفقر والبطالة والتهميش. وأدت كذلك الى تكوين مجلس آخر، تحت مسمى “مجلس شركاء الفترة الإنتقالية”، علما بأن الوثيقة الدستورية لا تعدل إلا من خلال المجلس التشريعي، الذى لم يُكوّن حتى الآن، بالإصرار والترصد من السلطة الحاكمة، والذى كان من المفترض ان يكون قد كوّن بعد ثلاث أشهر من توقيع الوثيقة الدستورية فى منتصف  عام 2019.
يضاف إلى ذلك، أن البلاد تسير بلا نائب عام وبلا رئيس للقضاء. كل هذا، وغيره، قاد إلى حالة تنذر بحالة من الفوضى والإنقسامات المجتمعية، وكان التخوف من الحرب الأهلية هو القاسم المشترك بين هموم السودانيين في الفترة الأخيرة. ومن ضمن السيناريوهات المتوقعة، حدوث إنقلاب عسكري، بخاصة بعد حدوث مثيله فى مالي و غينيا، و ما تبعه من رفض  خجول من قبل المجتمع الدولي والإتحاد الأفريقي.
وكانت الإرهاصات ماثلة، والمسوغات متوفرة، تكسوها حالة الإحباط العام واليأس والإمتعاض من النظام الحاكم، وهذا يفسر عدم اكتر الشارع السوداني، بما حدث، وكان عادة في مثل هذه الحالة، يخرج الشعب بالملايين لحماية ثورته، كما حدث في أكتوبر 1964، وفي عام 2019. وفي هذا درس قاسي لمن سرقوا الثورة ليلا، وتربعوا على كرسيها نهارًا.
لا يزال يوجد وقت لإنقاذ الثورة، وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح، وهذا يتطلب صدقا وشجاعة للإيفاء بإستحقاق التغيير المطلوب، وهو يتمثل في جملة قرارات عاجلة وملحة وفورية.
أولها: تكوين المجلس التشريعي من عناصر مؤهلة مؤمنة بالديمقراطية، ذات عمق ثوري وتاريخ نضالي، ويقوم المجلس بتعديل الوثيقة الدستورية، بإلغاء المادة 80، وكل ما ترتب عليها فى إتفاق جوبا، والنظر إلى السودان، كوحدة واحدة، وتقسيم الثروة والسلطة على كل الأقاليم بمعايير واحدة، تعالج من خلالها الظلم والتهميش في نفس النسق، وأن يحدد سقف زمني للمرحلة الإنتقالية، لا يمكن تجاوزه، وتوضح مهام مجلس الوزراء ومجلس السيادة بصورة جلية، لا تقبل اللبس أو التأويل، وأن يمنع قادة الجيش والشرطة والأمن من الممارسة السياسية، وتحدد مهام الجيش والشرطة والأمن في أدوارهم المعروفة في الأنظمة الديموقراطية.
 ثانيها: إعادة تكوين مجلس الوزراء من شخصيات أكفاء من داخل السودان، وخارجه، بلا مخاصصة سياسية، شرط الخبرة والنضال والإيمان بمبادئ الثورة.
ثالثها:منع قيام أي حزب على أسس دينية أو مناطقية أو قبلية.
رابعها: العزل السياسي، لكل من شارك فى المجالس الوزارية أو التشريعية أو الولائية، أو مؤسسة رئاسة النظام السابق.
 خامسها: محاكمة كل الفاسدين والمجرمين من منتسبي نفس النظام، وتسليم المطلوبين منهم  إلى محكمة الجنايات الدولية.
سادسها: تعيين رئيس للقضاء ونائبا عاما.
سابعها: التراجع عن الإعتراف بالكيان الصهيوني، والتمسك بالمبادرة العربية.
ثامنها: حل لجنة تقصى حقائق مجزرة القيادة، وإحالت التحقيق الى لجنة دولية ذات مصداقية.
والأهم من ذلك كله، حلّ كل المليشيات العسكرية، وعلى رأسها الدعم السريع، وتطهيرها من غير السودانيين، وتكوين جيش واحد ذو عقيدة وطنية.
إذا ترك الحبل على الغارب، بلا معالجة جذرية إستباقية صادقة، فإن البلاد ستكون أمام خيارات يصعب تجاوزها أو التعامل معها، بروية وحكمة وعقلانية حين حدوثها.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى