مقالات

معضلة الوعي النخبوي العربي.. وبخاصة اليساري منه!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
بادئ ذي بدء، أحب أن أقول وأشير إلى أن كل مجتمع من المجتمعات، وكل شعب من الشعوب، وكل أمة من الأمم, متحضرة كانت أم متخلفة, حية كانت أم ميتة, وعيها الجمعي الإجتماعي، ثقافة وفكرا وعقلية، ومن ثم سلوكا وتصرف او ممارسة، الذي تنظر من خلاله وبه إلى نفسها، أولا، وإلى الآخرين ثانيا, شعوبا كانت أم أمما أم الكون كله والحياة بأكملها, وتتعامل مع ذلك كله وفقا لذلك الوعي, إيجابا كان أم سلبا, ويكون حاضرها نتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا حقيقيا لذلك الوعي, تحضرا كان أم تخلفا, ويكون مستقبلها امتدادا طبيعيا وحتميا لذلك الحاضر.. ما لم تحدث تغييرات جذرية وجوهرية في طبيعة ذلك الوعي لها في الاتجاه الإيجابي أو السلبي, بفعل عوامل داخلية (ذاتية) أو خارجية (موضوعية) أو كليهما معا (ذاتية وموضوعية).
إن مجتمعاتنا وشعوبنا وأمتنا العربية، وللأسف الشديد، ما تزال ترضخ تحت وطأة “وعي التخلف المقدس والمركب” في جميع المجالات والمناحي الحياتية المختلفة لها..
فنحن كأمة عربية، وما تعانيه في حاضرها من تخلف في مختلف مناحي الحياة, الإجتماعية, السياسية, الدينية, الإجتماعية والثقافية… ما هو إلا نتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا حقيقيا لذلك الوعي الذي يتحكم بها ويسيطر عليها، وعيا قبل سلوكا..
حيث أن الوعي العربي الحاضر ما يزال يعاني من إشكاليات ومعضلات عديدة ومتنوعة… ومن دون الدخول في جدلية العوامل والأسباب التكوينية والبنيوية التي أثرت فيها, تكوينيا وبنيويا, والتي أدت في الأخير إلا ما هي عليه اليوم، فإن تلك الإشكاليات والمعضلات العديدة والمتنوعة، هي التي أفرزت حاضر هذه الأمة كواقع معاش..
من أهم تلك الإشكاليات والمعضلات، هي التقدسية والصنمية والماضوية والتسلطية والطغيانية والاستبدادية والذكورية والاحتكارية والاقصائية والتكفيرية والانهزامية..إلخ.

تلك الإشكاليات والمعضلات لا تقتصر فقط على العامة الدهماء، بل تشمل الخاصة (النخبة)، ولا تقتصر على نخبة ما دون غيرها، بل هي إشكاليات ومعضلات تعاني منها كل النخب بمختلف توجهاتها وانتماءاتها ومنابعها ومشاربها الايدلوجية “دينية كانت أم غير دينية”، مذهبية كانت أم حزبية. عقائدية كانت أم غير عقائدية، قطرية كانت أم قومية أم أممية،..إلخ (طبعا هناك فوارق نسبية متفاوتة هنا وهناك، وهناك قلة قليلة ممن استاطعوا التخلص من تلك الصنمية هنا وهناك، لكن ذلك يصنف ضمن الحالات الشاذة، والشاذ هنا لا حكم له كما يقول علماء المنطق).
وبأن تلك التغييرات الجذرية والجوهرية، لا يمكن أن تحدث وتصير وتصبح واقعا معاشا وملموسا أفضل مما مضى، وما هو حاصل إلا بوجود نخبة حقيقية تكون قد ملكت وأمتلكت وعيا إيجابيا مناهضا للوعي الحالي ومناقضا له..
وبكوني شخصا وفردًا من العامة الدهماء في مجتمعاتنا العربية، وواحدا منها، وواحدا من ضحايا ذلك الوعي، ومتابعا ومهتما لما يجري لنا نحن العامة الدهماء فيها، وواحدا ممن يحلمون ويتمنون التحرر والتحرير والخلاص والتخلص من ذلك الوعي.. وبكوني مؤمنا بأن ذلك التحرر، هو مهمة ومسؤولية النخبة في مجتمعاتنا..
وبكوني.. أرى شخصيا وألمس، وبحرقة شديدة وخيبة أمل كبيرة، بأن الغالبية العظمى ممن ما تسمي نفسها بـ”النخبة”، وبخاصة اليسارية منها، قومية وماركسية، وكذلك العلمانية، ما تزال قابعة تحت وطأة ذلك الوعي، “وعي التخلف المقدس والمركب”، وأسيرة له، تجذرا وتحكما وسيطرة، ثقافة وفكرا وعقلية، قولا وعملا، سلوكا وتصرفا وممارسة حياتية يومية، سواء في تعاملها مع نفسها أو مع بعضها البعض أو مع الآخر المغاير…
فهي لم تدرك بعد بأن ذلك الوعي، هو السبب الرئيسي والأساسي والجوهري لما نحن فيه وعليه، كأمة عموما، حتى تقوم بواجبها الأخلاقي المناط بها تجاه مجتمعاتها وأقطارها وأمتها، وتجاه نفسها أولا..
ذلك، وببساطة شديدة، لأنها ما تزال تعاني من كل تلك الإشكاليات والمعضلات العديدة والمتعددة والمتنوعة..إلخ.
ذلك الواجب الأخلاقي الممثل بالقيام بعملية تغييرية، لذلك الوعي نحو الأفضل، والمتمثل في القيام بعملية تفكيكية إحلالية تستهدف ذلك الوعي حتى يصير ويصبح وعيا أخلاقيا (تنويريا)..
فعلى سبيل المثال لا الحصر، إنني أرى وألمس، وبحرقة شديدة وخيبة أمل كبيرة، أن الغالبية العظمى ممّن تسمّي نفسها بـ”النخبة”!، وبخاصة اليسارية منها، ما تزال لم تؤمن بعد – طبعا مع إفتراض حسن النية لديها، ومن دون الدخول في التأويلات الأخرى – إن العملية الديموقراطية الصحيحة لا فائدة منها في مجتمعاتنا العربية، وليست حاجة ضرورية لمجتمعاتنا، وتعتبرها عملية فوضوية وكارثية وخيمة… بل وتكفرها، سواء تكفيرا دينيا أو غير دينيا، وتعتبرنا نحن العامة الدهماء لسنا راشدين، ولم نصل إلى مرحلة النضج بعد (قصر) لتلك العملية الديموقراطية…
وفي نفس الوقت، تؤمن تلك النخبة! بالديكتاتورية الاستبدادية القمعية، وترى فيها الخلاص الوحيد مما هي فيه.. وعليه.. إن مجتمعاتنا ترى فيها كذلك الضمانة الوحيدة للاستقرار والتنمية و.. و.. ليس ذلك على المستوى النظري لها، أيّ لتلك النخبة!، بل على المستوى النظري والعملي معا. فهي تقف مع تلك الديكتاتورية الاستبدادية القمعية، إسهام ومشاركة فعلية وفعالة وفاعلة.. مساندة ومساعدة ودعما واستماتة…
بل إن البعض منها، ارتمت في أحضان من كانت تسميهم بـ”الرجعية العربية”، والداعمين لها خارجيا، أنظمة وغيرها، كسبب أساسي ورئيسي لما نحن فيه وعليه كأمة.
في ظل هذا الوعي النخبوي الكارثي والوخيم… وهذه النخبة! الكارثية الوخيمة والمصيبة العظمى والطامة الكبرى، إن السؤال، والتساؤل الذي يتبادر إلى ذهني، كجزء من العامة الدهماء لمجتمعاتنا هو:
إذا كان حال وموقف تلك النخبة.! هكذا، فكيف حالنا وموقفنا نحن العامة الدهماء.!
وهل تلك الأنظمة الاستبدادية والرجعية والداعمين لها أصبحت فجأة، ومن دون مقدمات، أنظمة تحريرية تقدمية، ومنارة للعمل القومي العربي المشترك، مؤمنة بوحدة هذه الأمة وواقفة ضد أعدائها الإقليمين والدولين.؟!
أم أنها “خيانة النخبة..!”، وهذا شخصيًا ما أراه ومقتع به،.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى