موّال «الانتخابات الفلسطينية» في ظل الاحتلال والتجويع!
“المدارنت”
لا تزال الفصائل الفلسطينية – وهو الاسم البائس لمعظم هذه الفصائل، أو ما تبقى منها – مسكونةً «بهمٍّ» وهمي اسمه الانتخابات الفلسطينية، وجاءت تحركاتها استجابة لطلب من الرئيس دونالد ترامب، أو بوحيٍ منه، أو أنه أوحي بها، وتنشغل بإجراء اتصالات واجتماعات لتشكيل قوائم، وصياغة برامج، وكأنهم في دولة ذات سيادة ولا يخضعون لسلطة دولة احتلال. أثبت فیلم «نازا»، الذي أنتجه إسرائيليان أن إسرائيل تنظر إلينا على أننا «جديرون بالإبادة».
أصبح من قبيل المؤكد أن السلطة القائمة لا تملك شرعية حتى تجري انتخابات لخلق شرعية، إلاّ ان المهم في هذا السياق هو السؤال، على أي قانون انتخابي سوف تجري هذه الانتخابات إذا تمت. إن سكان المقاطعة في رام الله يصدرون قانوناً أو تعديلاً لقانون، كلّما عنّ لأحدهم فكرة «تصحيحية»، ما يقطع بأن الانتخابات لا تأتي لحاجة وطنية، أو تلبية لرغبة جماهيرية، بل تأتي بناءً على أوامر عليا من «الباب الأبيض»، فكل تساؤل يأتي من «فوق» يتم التعديل فوراً، من دون مناقشة. ولهذا نشهد تدفقاً من القوانين والتعديلات المتضاربة، ثم علينا أن نختار أيّ التشريعات الذي سيُطبق.
لو فرضنا أن النظام الانتخابي الذي صادقت عليه اللجنة التنفيذية في 2/6/2026 هو «النظام» الذي سيحكم العملية الانتخابية، فإننا نلحظ ما يلي:
في مطلع النظام ورد النص على أن هذا النظام سوف ينظم «آلية انتخاب المجلس الوطني في الوطن والشتات»، أي أن العملية تشمل كلاً من فلسطينيي الشتات وداخل الوطن المحتل. هذا نصٌ سليم، ولكن هل سيتم ذلك عملياً؟ هل أهالي غزة في وارد انتخابات وهم ما زالوا يبحثون عن قطرة ماء، أو لقمة غذاء وكأس حليب، أو سقف فوق رؤوسهم؟ وماذا عن أهل القدس؟ هل ستوافق إسرائيل على انتخاباتهم من دون مقابل؟
ثم يمضي نظام الانتخابات إلى تعريف «اللجنة» بأنها تعني لجنة الانتخابات المركزية التي سوف تدير وتشرف على العملية الانتخابية «في مناطق الشتات والإشراف عليها». ولكن لم يفصح النظام عمن سوف يشرف ويدير الانتخابات في الداخل، ويؤكد هذا القول ما ورد في المادة الثانية من النظام، التي تنص على أن نطاق تطبيق هذا النظام مقتصر «حصراً على انتخابات الشتات».
ومن الطبيعي أن الذي سوف يشكل «اللجنة» هو الرئاسة الفلسطينية، وبالضرورة أن تكون اللجنة «على مقاس الرئيس». فكيف نضمن إذن الشفافية والنزاهة في انتخابات الشتات؟ ويزيد الأمر تعقيداً أن تعريف اللجنة أضاف: «أو أي لجنة مؤقتة تشكل لكي تدير الانتخابات في الشتات». والذي سوف يشكّل اللجنة هو الرئيس بالضرورة، أي أن اللجنة ستكون من اختيار الرئيس وتوجهاته، فهل في ذلك أيضاً نزاهة وشفافية؟ ويستحدث النظام «المجمع الانتخابي»، وهو هيئة تمثيلية تضم ممثلي مكونات الساحة الفلسطينية، وهي التي تتولى اختيار ممثلي تلك الساحات.
ولم يفصح النظام عن الجهة التي سوف تشكل هذه الهيئة، وإذا اختارت مكونات الساحة في دولة ما «مجمعاً انتخابياً» لیس على مقاس الرئاسة، فهل تستطيع أن تسمي من يمثلها في المجلس الوطني، أم يجب أن يكون ذلك من خلال مجمع انتخابي من صناعة الرئاسة، وتنص المادة الخامسة من النظام على أنه إذا تعذّر تشكيل المجمع الانتخابي، يجوز «للجنة التنفيذية» لمنظمة التحرير اعتماد آلية توافقية، ويجب أن نذكر أن جميع الفصائل عقدت أكثر من خمسة عشر اجتماعاً للبت في مواضيع استراتيجية، ولم تنجح، فهل ينجح التوافق على تشكيل «المجمع الانتخابي»؟
من الأخطاء الكبرى في هذا النظام هو في تشكيل المجلس الوطني، بحيث حددت المادة الرابعة، أن المجلس سوف يتشكّل من (350) عضواً «على أن تشغل المقاعد المخصصة للأراضي الفلسطينية وعددها (200) مقعد، وفقاً لمبدأ العضوية الحكمية»، ويكون للشتات (150) مقعداً، طبعاً لا غبار على العدد ولا تنافس بين الخارج والداخل، ولكن نعلم علم اليقين، أن انتخابات الداخل ستكون محكومة بالأجهزة الأمنية وباليد الطولى للسلطة، ما يعني أن العدد الأكبر سيكون للداخل (المحكوم باحتلال إسرائيلي وسلطة مطعون في شرعيتها)، أي أن أغلبية الأصوات في قرارات المجلس الوطني ستكون للداخل. وهذا مطعن كبير على القرارات التي سوف تؤخذ، ما سيشكّل أداة للفرز والتقسيم أكثر مما يؤدي إلى الوحدة واللحمة الوطنية.
مما يزيد الطين بلّة، أن المادة الثامنة تشترط لقبول ترشيح القائمة، أن تعلن التزامها بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي والوطني، وقرارات الشرعية الدولية، باختصار، على المرشح وقائمته، أن يوافقا على اتفاقيات أوسلو. وهذه (وصفة) مؤكدة لإحداث انقسامات في الساحة الفلسطينية، لكن المشكلة لا تكمن فقط في هذا الشرط الذي أصبح مثل «اللازمة» في الأغاني، بل المشكلة الأكبر أن المجلس الوطني والمجلس المركزي، قد أصدرا سلسلة من القرارات التي طالبت اللجنة التنفيذية بوقف التنسيق الأمني و/أو الانسحاب من اتفاقيات أوسلو. فعن أي التزامات سوف تقوم القائمة بإعلان التعهد باحترامها؟

هل هي التزامات التوقيع على أوسلو، أم التزامات الانسحاب منها؟ من الطرائف التي ابتكرها النظام، أنه اشترط في المادة الخامسة والعشرين، أن على طالب الترشيح أن يرفق مع الطلب كشفاً بتوقيع ثلاثة آلاف ناخب مسجل، «وتستثنى من ذلك قوائم الفصائل». من المفترض أن ترفق الفصائل هي الأخرى كشفاً بثلاثة آلاف توقيع، باعتبار أنها من الفصائل الوطنية التي تدّعي أنها تقود قطاعاً واسعاً من الناس، وأن الجماهير تلتف حول شعاراتها وإنجازاتها، أم أن الاستثناء جاء لحمايتها من كشف المستور؟
وختاماً، فقد نصّت المادة الثانية والخمسون على أن هذا «النظام» يلغي «قانون الانتخابات لعام 1965». كيف يستساغ أن نظاماً يلغي قانوناً، والأخير أسمى مرتبة في عملية التشريع، ولا يجوز إلغاء قانون إلا بقانون آخر. وأخيراً، ومع الاحترام للعديد من الأخوة والرفاق الذين يتزاحمون على أبواب القوائم، لنا أن نسأل، هل يُعقل أن الاحتلال سوف يسمح بانتخابات «مجلس» إن لم یکن ممالئاً للاحتلال ويقدم له، علناً أو سراً، باقات الورد والطاعة، أو على الأقل «عدم المعارضة»؟ ورغم أني مقتنع بأن العديد من مرشحي الداخل يقفون بصلابة ضد الاحتلال، ولكن ما عساهم أن يعملوا داخل المجلس المنتخب؟ إنهم يعلمون علم اليقين أنهم سوف لا يستطيعون إزالة حاجز عسكري، أو إحداث تغيير في تقسيم المناطق، أو بناء شبكة طرق تربط المدن الفلسطينية التي هي جميعها مناطق «أ» أو إحداث أي تغيير – مهما كان متواضعاً – في شروط اتفاقيات أوسلو.
أيها الأخوة والرفاق، أتمنى عليكم أن تتمعنوا في التقرير الأخير لبرنامج الغذاء العالمي عن أن900.000 فلسطيني من أهلنا في الضفة الغربية يعانون الآن من انعدام الأمن الغذائي. إن عملية التجويع تتوسع من غزة إلى الضفة الغربية إلى مخيمات الشتات، بعد سحب التمويل عن الأونروا. إن الجهد الذي يبذل في عملية الانتخابات وهي محكومة بالفشل مقدماً، سيكون أوفى بمصلحة شعبنا إذا فکرنا معاً في محاربة آلة التجويع التي يستخدمها جنود الاحتلال ومستوطنوه ضد شعبنا في مختلف مناطق وجودهم.



