جيش الاحتلال يحارب كراسي الأطفال المتحركة؟
“المدارنت”
رغم أن التقارير صادمة وباعثة على الحزن والغضب والرفض، والعديد من مشاعر الاستنكار الأخرى، فإنها لم تعد مفاجئة بالمقارنة مع أنساق التوحش القصوى التي اعتمدتها دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال أكثر من 1080 يوماً من حرب الإبادة الشاملة ضد قطاع غزة.
ومع ذلك يصعب استبعاد عنصر التمادي الهمجي في ما نقلته مؤخراً «هيئة الإذاعة الأسترالية»ABC عن إصرار سلطات الاحتلال على منع دخول مئات الكراسي المتحركة المخصصة لأطفال القطاع، المعاقين أصلاً بسبب عمليات القصف الإسرائيلية الإبادية والعشوائية، التي طالت المساكن والمشافي والمدارس ومخيمات اللجوء والمساجد والكنائس.
ولقد بات راسخاً، طبقاً لإحصائيات أممية، وأخرى استخلصتها منظمات إنسانية دولية، أن ما لا يقل عن 11,000 طفل فلسطيني في القطاع يعانون من أشكال إعاقة مختلفة، ضمنها بتر الأعضاء أو الشلل أو العجز عن السير أو ممارسة مقتضيات الحياة اليومية. وهذه حال استدعت مسارعة الكثير من الهيئات المتخصصة في رعاية الأطفال المعاقين إلى تقديم مساعدات كفيلة بالإعانة على استئناف مستوى الحدّ الأدنى من العيش الطبيعي، وفي عدادها كانت مبادرة اثنتين من منظمات الإغاثة الأسترالية، وفرت 900 كرسي متحرك لأطفال القطاع، شُحنت بالفعل إلى الأردن وعُهد إلى «الهيئة الخيرية الهاشمية» بأمر إدخالها إلى غزة.
لكن دفعتين من الكراسي تقبع في المخازن الأردنية منذ شباط/ فبرايرـ ودفعة ثالثة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، في انتظار إذن بالدخول من جانب سلطات الاحتلال، التي صنفت الطلبين تحت بند «قيد الدراسة» وتواصل التزام الصمت حتى الساعة بشأن إدخالها. وإذ لا يكترث الاحتلال بتقديم مبرر يستوجب المنع، أو يزعم كاذباً أنه سمح بدخول العديد منها في الماضي، فإن الذريعة المتكررة هي احتمال «الاستخدام المزدوج» للكراسي في أغراض عسكرية، وكأن فصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع يمكن أن تستخدمها لتصنيع صاروخ مثلاً.
غير أن منظمات إنسانية عالمية، على غرار «العفو الدولية» مثلاً، لا تتردد في تصنيف هذا الإجراء تحت بند الإبادة الجماعية، لأنه لا يقتصر في الواقع على الكراسي المتحركة بل يشمل أيضاً المراحيض المحمولة وأكياس النوم والأغطية البلاستيكية والضمادات والحفاضات وأعمدة الخيام، إضافة إلى بطاريات الكراسي المتحركة ومعدات التصوير بالأشعة ومواد تجهيز الأطراف الاصطناعية. من جانبها شددت «هيومان رايتس ووتش» على عشوائية الإجراء، بالنظر إلى أن سلطات الاحتلال تلجأ إلى منع مادة بعد أن كانت سمحت بها، مطالبة باستثناء المعدات الطبية وإعانات الإعاقة وتكنولوجيا النظارات الطبية وأدوات المساعدة على السير والعكاكيز وأجهزة تحسين السمع، من دون جدوى بالطبع.

ولم يعد خافياً أن الأصل في إجراءات التوحش هذه يندرج أولاً في السياقات الأعرض لتنويعات حرب الإبادة الإسرائيلية، ويستكمل بالتالي سلسلة الأهداف الكبرى خلف استمرار جرائم حرب تدخل قريباً سنتها الثالثة، وعلى رأسها التطهير الإثني والجماعي وإجبار سكان القطاع على مغادرته. فكيف وانتخابات الكنيست على الأبواب، ولا رادع على الإطلاق يمكن أن يوقف سعار ساسة الاحتلال لتحسين مواقعهم، حتى عبر محاربة كرسي متحرك مخصص لطفل فلسطيني معاق.



