عربي ودولي

عرّافة بلغارية تنبأت بمصائر أبناء حافظ الأسد!

حافظ الأسد ينتظر العرافة الضريرة “بابا فانغا”في صوفيا

“المدارنت”
في خريف عام 1987، هبطت طائرة الرئيس السوري حافظ الأسد في صوفيا تحت شمس ساطعة أكثر من المعتاد.
كان “الأب القائد” يومها في عزّ صعوده، يحمل في حقيبته ملفات الصناعة الثقيلة والتسليح، وفي صدره ثقة لا يتقنها إلا الرجال الذين أدركوا أنهم انتصروا على الحياة.
وخلال الزيارة، همس له أحد المسؤولين البلغار باقتراح غريب: “هل ترغب بلقاء فانجيليا جوشتيروفا المعروفة بإسم “بابا فانغا”؟ (رحلت عام 1996)، تلك العرّافة العمياء التي تهتز الدول لكلمة تنطقها.
لم يكن “القائد الخالد”، من المؤمنين بالمنجمين، لكنه قبل ذلك على سبيل الطرافة، وربما على سبيل الفضول الذي لا يقاومه العظماء حين يتعلق الأمر بمصائرهم.

العرافة البلغارية فانجيليا جوشتيروفا المعروفة بإسم “بابا فانغا”

وصول فانغا 
في اللحظة التي توقفت فيها الأنفاس وصلت فانغا، وكان وصولها أشبه بالعبور إلى زمن آخر. رائحة الأعشاب، صوت الماء الذي يجري من النوافير الخلابة بدا مختلفاً، ووجه فانغا الجامد كحجر قديم كان مرعباً.
رفعت رأسها نحوه رغم أنها لا تراه، وقالت بصوت يشبه الريح: “طلبتني أخيراً يا من تُخفي كل عواصف السماء في جبينك”.
تفاجأ الأسد، لكنه ابتسم.
أما هي، فلم تبتسم.
مدّت يدها المرتجفة إلى الفراغ، كأنها تلتقط خيطًا خفيًا بين السماء والأرض، ثم تمتمت: “أرى فارساً.. فارساً ذهبياً.. يبرق اسمه في تاريخك كالسيف.
إنه. سيموت،ليس الآن، بعد سبع سنين بحادث، لكنه ليس حادثاً, فقط تذكر يا حافظ: الطبيعة لا تخون، البشر هم من يخونون”.
ارتبك حافظ الأسد، عرف فوراً من تقصد, لكن قبل أن يسأل، تابعت: “وريثك من بعده، أراه واقفاً بين نارين، سيتزوج تلك الخرساء القادمة بلا أسماء من رحم أمها الساحرة, وعليك منذ الآن أن تعلم أن صوتها صمت، وصمتها خراب.
ستكون يدها الخفية ما يهدم إرثك، ويطفئ نور بيتك”.
هزّ الأسد رأسه ضاحكاً، وكأن الكلام لا يعنيه، لكنه في داخله شعر بوخزة وكأن قلبه سمع شيئاً لم يفهمه عقلُه بعد.

صدق النبوءة 
عندما صدقت النبوءة الأولى، كانت قد مرّت سبع سنين, فبينما كان الأسد في مكتبه داخل منزله في قصر الروضة، صباح يوم جمعة، لم يكن كغيره من الجمع, جاءه الخبر كصفعة جليدية: “الفارس الذهبي مات.. استشهد بحادث سيارة”.
حادث؟! لا.. كانت التفاصيل كلها تصرخ: مدبّر، مخفي، محسوب بدقة.
حينها تذكّر العرّافة “فانغا”, تذكّر صوتها الجافّ, وتذكّر الضحكة المجلجلة التي ضحكها أمامها والتي بدت اليوم وكأنها تتحدى الأقدار.
سقطت الغشاوة عن عينيه، وحينها فقط بدأت معركته مع القدر.
محاولة منع بشار، من العلاقة مع أسماء الأخرس، ابنة سحر العطري, فلتكن هي حرب الأسد الأخيرة التي بدأت منذ تلك اللحظة.
وضع “القائد الخالد” كل ثقله لمنع بشار من الزواج ببنت الأخرس.
هدّده، نصحه راقبه عن طرق المخابرات التي عدّت عليه أنفاسه، توسّل إليه، وضع أمامه عشرات الخيارات، وفتح له أبواب مستقبل لم يحلم به, لكن كل شيء كان عبثياً.
فتلك الحيزبون الخرساء، لم تكن خرساء، بل كانت تتكلم في عقل بشار بصوت لا يسمعه سواه.
كانت وعده بالحرية وبوابته للتمرّد على إرثٍ ظلّ يطارده سنوات.
أمام عناد بشار، شعر الأب “القائد” لأول مرة أن يده قصيرة لا تطال القدر.
كان يعلم يقيناً أن يوم زواج ابنه منها، سيكون بداية النهاية لإرثه القومي ومشروعه العروبي الذي أنفق حياته كلها لأجله.
فشدّد قبضته على الحياة، ربما ليطيل الوقت، ربما ليجد ثغرة يهرب منها ليحافظ على هذا الإرث, لكن القدر كان أسرع.

الانهيار
في اليوم الذي مات فيه “حافظ الأسد القائد”، لم تجفّ دموع زوجته حتى بلغها الخبر التالي: “بشار عقد قرانه على البخراء أسماء”.
لم ينتظر هذا العاق جفاف قبر أبيه, وكأن روح والده كانت آخر جدار يقف بين بشار والخراب.
ومع زواجهما، بدأت سلاسل البناء التي رصّها حافظ الأسد، خلال ثلاثين عاماً تتفكك واحدة تلو الأخرى: العلاقات؛ النفوذ؛ التحالفات؛ الهيبة التي صنعها بعرقه وذكائه ودهائه؛ كلّها تساقطت بصمت، كما تتساقط أوراق الشجرة المريضة.
وكان المشهد الأخير من بطولة أسماء الأخرس، التي وقفت في قاعدة حميميم بتاريخ 8-12-2024، بعيونٍ تغرقها الدموع وقلب ينهشه الرعب، وهي تجلس في مقعد طائرة شبه متهالكة, كانت كل ما تبقى من إرث اسطوري بناه “القائد الخالد” لبنة لبنة.
لم تكن ابنة سحر العطري، تدري أنها حينها: كانت تحقق نبوءة كُتبت قبل زمن بعيد، كُتبت على مقعدين غير وثيرين في حديقة قصر بصوفيا، أمام امرأة عمياء ترى أكثر مما يرى المبصرون.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى