مقالات

نهاية وهم الحسم.. كيف يُعاد تشكيل الشرق الأوسط بين إعادة التموضع الأميركي واستنزاف النفوذ الإيراني؟

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”
في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب بانتصار طرف أو هزيمة آخر. تنتهي غالباً باعتراف متبادل – صامت أو معلن – بأن الحسم لم يعد ممكناً، أو أنه لم يعد مُنتجاً لكلفة يمكن تحملها. ومن هنا، لا تبدو مذكرة التفاهم الأميركية/ الإيرانية مجرد اتفاق عابر، بل لحظة إعادة تعريف لمضمون الصراع نفسه. فالملف النووي، الذي كان جوهر المواجهة لعقدين، تحول إلى مجرد أداة لإدارة التأجيل؛ حيث تدور المذكرات غير المعلنة حول تثبيت حدود التخصيب مقابل فك تجميد أموال، في صفقة ضمنية تعكس جوهر العصر الجديد: لا نزع سلاح، بل إدارة ترسانة. واشنطن وطهران لا تقتربان من سلام، بل تُمسكان بعصا التفاوض كي لا تنزلقا إلى حرب لا تريده أي منهما.

لكن الخطأ التحليلي الأول هو افتراض “إرهاق متبادل”. ما يجري ليس إرهاقاً متماثلاً، بل إعادة توزيع غير متكافئة للقوة: طرف يعيد التموضع عالمياً، وطرف يُستنزف داخل إقليم يتسع أكثر مما يحتمل. فالولايات المتحدة لا تصطدم فقط بحدود الجغرافيا أو تعقيد الشرق الأوسط، بل تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية نحو مسار أوسع: احتواء الصين وإدارة التنافس العالمي خارج ساحات الاستنزاف التقليدية. ومن هنا يصبح الشرق الأوسط ساحة إدارة كلفة، لا ساحة حسم.

في المقابل، لم تنجح إيران في تحويل نفوذها الإقليمي إلى بنية نظامية مستقرة. فشبكة الحلفاء الممتدة من المشرق إلى ساحات متعددة لم تعد فقط أداة قوة، بل أصبحت عبئاً اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. الردع غير المباشر لم يتحول إلى اعتراف، والتمدد لم يتحول إلى استقرار. وهكذا يتشكل ميزان جديد: لا انتصار ولا هزيمة، بل إعادة تنظيم غير مكتملة لمعادلات الاستنزاف.

في قلب هذا التوازن يقف مضيق هرمز بوصفه عقدة الردع الأخطر. مضيق يمكن تهديده ولا يمكن امتلاكه. يمكن تعطيله ولا يمكن استخدامه من دون ارتداد عالمي. هنا لا تملك أي قوة قرار الحسم، بل فقط القدرة على رفع أو خفض مستوى المخاطرة. إنها جغرافيا تحوّلت إلى سياسة.

لكن اختزال المشهد في الثنائية الأميركية/ الإيرانية، يخفي عناصر أكثر تأثيراً. فما فجّر إعادة تشكيل قواعد الاشتباك لم يكن “الإرهاق التاريخي”، بل لحظة غزة وما بعدها. فعملية السابع من أكتوبر لم تكن حدثاً محلياً، بل صدمة كشفت حدود السيطرة على الوكلاء، وحدود الردع الإقليمي، وإمكانية انزلاق الساحات من الضبط إلى الانفجار. منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: من ينتصر؟ بل: كيف يتم منع الحرب من التحول إلى حرب إقليمية مفتوحة؟

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المتصاعد للسعودية والإمارات وقطر. فالمعادلة الإقليمية لم تعد ثنائية أو ثلاثية، بل باتت متعددة المسارات: مسار أميركي يعيد التموضع العالمي، ومسار إيراني يحاول الحفاظ على نفوذ يتآكل تحت الضغط، ومسار خليجي يبني اقتصاد ما بعد الصراع، حيث تُستبدل معادلات القوة العسكرية بمعادلات الاستثمار والتكنولوجيا وربط الأسواق.

أما لبنان، فليس بنداً هامشياً في هذا التوازن. لبنان هو المثال الأكثر حدة على دولة تُدار فوقها التوازنات لا داخلها. دولة لا تمتلك احتكار قرارها السيادي الكامل، بل تعيش ضمن هندسة ردع إقليمي يجعلها ساحة لا طرفاً. ومأساة هذا النموذج أنه يتكرر بصيغ مختلفة في أكثر من ساحة مشرقية.

وفي “إسرائيل”، لا تُقرأ التحولات بوصفها استقراراً، بل إعادة تعريف لمفهوم الحسم نفسه. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تعد تواجه تهديداً يمكن إنهاؤه، بل واقعاً يمكن فقط احتواؤه وإدارته عبر تفوق تكنولوجي وضربات مركّزة تمنع التراكم الاستراتيجي للخصوم. هي لا تدير استحالة، بل تدير وتيرة نيران تمنع خصومها من التقاط الأنفاس، في انتظار أن ينضج المشهد الأميركي أو ينهار النظام الإيراني من داخله.

ما يتشكل اليوم ليس سلاماً ولا حرباً، بل نظام إدارة صراع متعدد المستويات: ضبط للكلفة بدل الحسم، واحتواء بدل الإنهاء، وتوازنات بدل انتصارات. وهنا تحديداً تظهر الحقيقة الأعمق: هذه ليست تسوية تاريخية، بل اعتراف بنيوي بأن زمن الحسم انتهى بصيغته التقليدية.

لكن هذا لا يعني نهاية الصراع، بل انتقاله إلى شكل أكثر تعقيداً: صراع لا يُحسم في ساحات واحدة، بل يُدار في جبهات متوازية، من الطاقة إلى “التكنولوجيا”، ومن الاقتصاد إلى الردع غير المباشر.

وفي العمق، ما تكشفه هذه اللحظة ليس بداية استقرار، بل بداية نظام إقليمي جديد يقوم على حقيقة واحدة أقسى من أي انتصار: لا أحد يملك القدرة على فرض نصر نهائي، لكن الجميع يملك القدرة على رفع كلفة الحسم على الآخرين، إلى درجة تجعل النصر أقرب إلى الخسارة منه إلى المكسب. وهكذا يُعاد تشكيل الشرق الأوسط ليس كمنطقة منتصرين ومهزومين، بل كمنطقة توازنات غير مكتملة، تُدار على حافة الانفجار، وتُكتب لغتها بلغة الكلفة، لا بلغة النصر.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى