عربي ودولي

هل العراق بحاجة إلى تعديل الدستور؟

“المدارنت”
نشر رئيس مجلس القضاء الأعلى يوم 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 بيانا على موقع المجلس، دعا فيه إلى «تعديل االدستور» لمعالجة «مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة، خصوصاً أن التجربة كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير».

وهذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها إلى تعديل الدستور، فقد سبق له أن نشر بتاريخ 14 شباط/ فبراير 2022 مقالا بعنوان « تعديل الدستور… ضرورة يفرضها الواقع السياسي»، أشار فيه إلى أن الدستور العراقي «تمت صياغته في ظروف تختلف في حينه عن الظروف الحالية ومعظم من اشترك في إخراجه بالشكل النافذ حالياً هم في مقدمة الداعين إلى تعديله الآن لظروف ومستجدات الواقع السياسي الذي وصل إلى مرحلة خرق الدستور في أكثر من مناسبة بسبب النصوص الدستورية التي لم تعد مناسبة للمرحلة الحالية»!

وفي مقال آخر بعنوان «التوقيتات الدستورية لتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية في العراق»، نشره بتاريخ 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، طالب بأن يتضمن أي تعديل مستقبلي للدستور «احترام التوقيتات الدستورية ويضع جزاءات محددة على مخالفتها، حفاظاً على استقرار النظام الديمقراطي وتكريساً لسيادة القانون ومبدأ التداول السلمي للسلطة».

وفي مقال ثالث بعنوان «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور»، نشر بتاريخ 3 آذار/ مارس 2026 انتقد فيها تفسير المحكمة الاتحادية العليا للمادة 76 من الدستور العراقي، وعده «تفسيرا سياسي الأثر أكثر منه قانوني الصياغة»، وأن معالجة إشكال المادة 76 من الدستور يستلزم «تعديلاً دستورياً صريحاً يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل التأويل تحقيقاً للأمن الدستوري وصوناً لإرادة الناخب».

وبعيدا عن الأمثلة التي ساقها رئيس مجلس القضاء الأعلى لتسويغ دعوته، وبالأخص موضوع انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يعيدنا إلى دعوات سابقة أطلقها رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي حول اعتماد النظام الرئاسي، ودعوات أخرى لاعتماد النظام شبه الرئاسي، وكأن الأنظمة السياسية مجرد خيارات شخصية، من دون الالتفات إلى أن النظامين الأخيرين سيشكلان كارثة حقيقية في بلد مثل العراق! فان موضوع تعديل الدستور العراقي كان حاضرا حتى قبل الاستفتاء عليه نهاية العام 2005!

فقد اشترط الحزب الإسلامي يومها تضمين الدستور العراقي مادة تنص على تعديله للموافقة على التصويت عليه بالموافقة، وبالفعل تمت إضافة المادة 142 إلى النص الدستوري التي قررت أن يشكل مجلس النواب لجنة تقدم تقريرا «يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور» خلال مدة لا تتجاوز 4 أشهر من تاريخ أول جلسة له. ولكن مجلس النواب فشل حتى اللحظة، أي بعد مرور 21 عاما، في تنفيذ أحكام هذه المادة!

ويقرر الدستور العراقي آليتين لتمرير أي تعديل دستوري؛ فقد نصت المادة 126 أنه «لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو لخمس (1/5) أعضاء مجلس النواب اقتراح تعديل الدستور»، وأن إقرار تلك التعديلات يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام باستثناء التعديلات التي تتعلق بصلاحيات الأقاليم، التي تتطلب موافقة السلطة التشريعية في الإقليم، فضلا عن موافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام. أما المادة 142 فقد قررت أن أي تعديل يتطلب موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وموافقة أغلبية المصوتين في الاستفتاء العام، بشرط أن يرفضه «ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر». وقد اشترطت المادة 142/خامسا أنه لا يمكن اللجوء إلى إحكام المادة 126 لتعديل الدستور إلا بعد تنفيذ أحكام المادة 142!

وقد أصدرت المحكمة الإتحادية العليا بتاريخ 21 مايو/ايار 2017 قرارا باتا وملزما للسلطات كافة بالرقم (54/ اتحادية/ 2017) قررت فيه أن «تطبيق أحكام المادة 126 من الدستور عند تقديم مقترح بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور لا يكون إلا بعد البت في التعديلات التي أوصت بها اللجنة المنصوص عليها في الفقرة أولا من المادة 142».

إن فيتو «ثلثي ثلاث محافظات» يمكن أن يقوض أي إمكانية لتعديل الدستور العراقي، خاصة إذا ما أريد لهذه التعديلات أن تكون جوهرية وليست شكلية. وتحديدا إذا ما أريد تقويض نظام الأقاليم، بعد انقلاب الفاعلين السياسيين الشيعة ضد النظام الفيدرالي الذي لم يقف عند حدود رفض تشكيل أقاليم جديدة، بل تجاوز ذلك إلى محاولة تقويض النموذج الفيدرالي القائم في إقليم كردستان نفسه. وقد بدأ الأمر بشكل ارتجالي باستخدام الضغوطات المالية عبر عدم تسليم الأموال المخصصة في الموازنة الاتحادية في الولاية الثانية للمالكي، ثم تحول الأمر إلى استراتيجية منهجية تُستخدم فيها المحكمة الاتحادية العليا أداةً أساسية في هذا التقويض (على سبيل المثال لا الحصر قرارها فيما يتعلق بقانون النفط والغاز)!


أما فيما يتعلق بتفسير المادة 76، التي أشار اليها رئيس مجلس القضاء الأعلى، فمن الصعب على الفاعلين السياسيين الشيعة القبول بتفسير أن الكتلة الأكثر عددا التي ترشح رئيس مجلس الوزراء هي الحزب/ الكتلة التي تفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، لأن هذا التفسير قد يتيح، ولو نظريا، لحزب/ كتلة سنية أو كردية، او حتى لكتلة شيعية «إشكالية»، الحصول على منصب رئيس مجلس الوزراء. بل أن هذا التفسير نفسه، الذي وصفه رئيس مجلس القضاء الأعلى بـ «الخطيئة»، إنما جاء لمنع القائمة العراقية بقيادة أياد علاوي من الحصول على منصب رئيس مجلس الوزراء في العام 2010! ولولاه كان يمكن للتيار الصدري أن يستحوذ على هذا المنصب في العام 2021!

كما أن اعتراض رئيس مجلس القضاء الأعلى على نصاب الثلثين في مجلس النواب، تحديدا فيما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، يتناسى أنه جاء لمنع التحالف الثلاثي الذي تشكل في أعقاب انتخابات العام 2021 (وضم التيار الصدري وتحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني) من الاستحواذ على المناصب الرئاسية الثلاث (رئاسة مجلس النواب، ورئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء)، بالتالي ستبقى هناك حاجة اليه لمنع تكرار هذه التجربة!
ولكن الأسئلة الأهم هنا:

هل هناك حاجة فعلا إلى «تعديل» دستور لا يحترمه أحد في العراق (لا سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا القوى السياسية، ولا حتى المجتمع نفسه الذي يفترض أن يتمسك به، ويدافع عنه، لأنه الضامن الوحيد لحقوقه)؟
وما الذي سيمنع القوى السياسية من خرق أو انتهاك الدستور «المعدل»، أو التدليس عليه كلما احتاجوا لذلك؟

وما الضامن أن «تعديل» الدستور سيمنع المحكمة الاتحادية من اتخاذ قرارات مسيسة (أو ديليفري كما أسميها)، سواء فيما يتعلق بتفسير النص الدستوري، أو فيما يتعلق بأي من اختصاصاتها الأخرى؟
ولماذا نحتاج إلى «تعديل» الدستور إذا لم تكن هناك جهة ما قادرة على الدفاع عنه وإجبار الجميع على الالتزام به؟

يحيى الكبيسي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى