وطنٌ الغربة بين تامر حسني وعمرو ذياب!

خاص “المدارنت”..
إبتُليتُ بوطنٍ لا يشبهني.. فكيف تكونُ الأوطانُ إبتلاء؟! وطني أنا، هو بيتي الوحيد.. وطني الذي لم أخترهُ لي وطناً، ولكنّي ولدتُ هناكَ فيه، وترعرعتُ في جنباته.. فتشبّهتُ بهِ حتّى صارَ يشبهُني إلى حدٍّ بعيد.
لم أقل له يوماً إنّي أحبّهُ.. ولم يطالبني بذلك.. ولم يعاتبني لصمتي أو لنقصٍ في الكلام ولا اللغة.
كانَ يعلَمُ أنّني، وبفطرتي, ورثتُ حبّهُ من جدّي وجدّتي، ومن أبي وأمّي، وتعلّمتُ أن أحبّهُ دونَ أن أدري لماذا.
أحببت في ذلك الوطن البعيد كلّ شيء.. إلّا البريق.. فذاكَ البريقُ كاذب… أحببتُ وطني الرماديَّ الداكن .. وطني الذي لا يضيء إلا بنورِ الشمسِ وانبلاج القمر.. أحببت وطنَ الوحلِ الأحمر في ماءِ السّيل، وفي أزقّةِ حارتنا. وطنَ الطرقاتِ بلا أسفلت وبلا أرصفة.
أحببتُ وطن التينِ الأسودِ عند حفافي الكرم الأشقر, في سفحِ الجبلِ المرويّ بندى الصبح وعرقِ الجدّةِ والثيران.
أحببتُ وطناً يرسمُهُ فلّاحٌ بالمعولِ، ويقيه بخيطِ الكوفيّة من بردِ الليلِ وقيظِ الحرِّ.. أحببتُهُ وطناً يحملُهُ صبرُ حمارٍ أنهَكَهُ الحقلُ، وحِملُ سنينٍ من تعبٍ، وشقاءُ قرون.
أحببت الوطنَ الداشِرَ كالوردِ الجوريّ بحاكورتنا.. وطِنَ الزعتر البريّ بينَ مفاصلِ صخرنا.. وطنَ العتمِ بلا أضواء.. وطنَ الفوضى بلا ضوضاء… وطنَ الصمتِ القاتمِ فوقَ وجوهِ الفلاحين وفي أفواه الفقراء.
أحببته وطناً يشبهني.. يتعالى قممًا شامخةً كشلوحِ السروة دونَ بيارقَ.. دونَ نشيد… أحببته وطنَ اللوزةِ.. وطنَ الكرمة.. وطنَ التينةِ.. وطنَ الصنوبرِ والطيّونِ والزعرور قبلَ شلوحِ الأرز..
أحببته وطنَ الطيبة.. وطنَ العزلةِ.. وطنَ الوحشةِ.. وطنَ النحلةِ.. وطنَ النملةِ، وطنَ الطينِ الأبيض والبابونجَ فوق السطحِ، وطنَ الريحانة قربَ المزراب.
أحببتَهُ وطنَ العونةِ والدلعونا.. وطنَ الدبكةِ فوق مصطبةِ الجيران.. وطنَ الحشمةِ دون غطاءِ الرأسِ.. وطنَ الإيمان الصادِقِ من دون حجابِ وجلابيب ونقاب.. وطنَ الأغنيةِ المنسيّةِ في الوديان مع الرعيان.. وطناً لا يشبه رقصَ الغربِ.. رقصَ الغربةِ.. رقصَ العريِ.. ولا الغلمان.
وطني قد صارَ كـ”لا وطنِ”.. لا يشبهُ أمّي ولا أبي، لا يشبه وطني، ولا يشبهني في شيءٍ.. إلّا بالغربة.
فكيفَ أستعيدُه؟! كي أعيده لي.. وكي أعودَ إليه؟! كيف؟! ولا يملكُ الكهلُ ولو شاءَ مفاتيحَ الشباب!…



