يا للعار… يلوّحون بدولة فلسطينية!
“المدارنت”
كل هذه الإبادة والتجويع الإسرائيليَين في غزة ثم يأتي قادة دول غربية ليعلنوا أنهم يعتزمون الاعتراف بدولة فلسطينية! غريب كيف تجرأوا على جعل اعترافهم بالدولة الفلسطينية أولوية أهم من وقف الإبادة والتجويع والمخططات الشريرة لتهجير سكانها دون أن يخشوا سخرية العالم منهم. سألوا رجلا في حالة رثّة ماذا تحتاج أولاً فقال: خاتم! (عذرا، أعرف أن المقام لا يسمح بالسخرية لكن هم بدأوها).
استغراب يجب البحث عن جواب له في ما أصاب العالم من عجز فادح وشلل أخلاقي وإنساني عن وقف الإبادة والتجويع الممنهج في غزة.
علاوة على أن الموضوع برمته تنطبق عليه مقولة «قليل جدا ومتأخر جدا»، يمكن القول إن موضوع الدولة الفلسطينية لم يتعرض يوما لإساءة كالتي يتعرض لها هذه الأيام بسبب هؤلاء القادة الغربيين وطريقة طرحهم للموضوع.
لماذا؟ لأنهم، ببساطة، جعلوا الأمر ابتزازا ومساومة دنيئة للفلسطينيين والإسرائيليين. عندما يشترط رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اعتراف بلاده بدولة فلسطينية بإصلاح السلطة الفلسطينية وتنظيم انتخابات خلال العام المقبل، يحق لي أن أتساءل هل الرجل جاد في ما يقول أو يمزح! أيُّ إصلاحات وأيُّ انتخابات وأين يا هذا! كأنه لا يرى أن السلطة الفلسطينية تكلست إلى درجة غير قابلة للإصلاح، وأن إسرائيل لم تترك شيئا مما يتطلبه تنظيم انتخابات، مثل الظروف السياسية واللوجستية والحد الأدنى من الاستعداد، وأن إسرائيل وقطعان المستوطنين الذين يُطبقون على أنفاس الضفة الغربية وأهلها لن يسمحوا بتنظيم انتخابات ولو على جثثهم.
ومع ذلك، نفترض جدلا أن السلطة الفلسطينية، بمساعدة من يستطيع المساعدة، نجحت في تنظيم شبه انتخابات في ما تبقى من الضفة الغربية ورضي عنها السيد مارك كارني، ماذا عن غزة؟ لا أعتقد أنه من الصواب والعقل مجرد التفكير في تنظيم انتخابات فيها بعد عام وسط كل هذا الخراب المادي والروحي الذي سببته لها إسرائيل.
تخيّلوا هذا المشهد السوريالي: موظفو جهات فلسطينية ودولية ينزلون في غزة ثم يخطبون في الناس المكلومين أنهم جاؤوا للإشراف على تنظيم انتخابات. لن ألوم أحدا منهم لو سحلوا «الضيوف» في الشوارع.
الآن إلى سؤال أهم: السيد كارني وعد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول (سبتمبر)، فماذا هو فاعل إذا ما فشلت السلطة الفلسطينية لاحقا في إصلاح نفسها وفي تنظيم انتخابات، وهو أمر وارد جدا، لأن المطلب غير عملي أصلا؟ بالمنطق والشَرطية يسحب اعترافه، وهو أمر وارد أيضا وأسهل بكثير من الاعتراف، لكن السيد كارني سيؤذي نفسه وكندا أكثر مما يفيدهما إذا ما فعل.
السيد كارني ليس بمفرده في هذا العبث. هناك رئيس الوزراء البريطاني. رغم أن بلاده تتحمّل الذنب التاريخي والأخلاقي والإنساني الأكبر في المعاناة الفلسطينية، لم يستح كير ستارمر من أن يشترط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بإقدام إسرائيل على خطوات لتخفيف المعاناة في غزة، وهو يعرف سلفاً أنها لن تفعل ولن تخضع مثلما لم تخضع لضغوط وتهديدات كثيرة في الماضي القريب.
ولنفترض جدلا (مرة أخرى) أن إسرائيل انصاعت للضغوط والابتزاز وقررت وقف إبطاء آلة القتل والتجويع في غزة قبل أيلول (سبتمبر)، ماذا سيفعل السيد ستارمر.. هل سيسحب وعده وتسقط الدولة الفلسطينية في الماء؟
هناك أيضا ألمانيا المتصهينة أكثر من إسرائيل، والتي شاركت ماديا وعسكريا وأخلاقيا في الإبادة في غزة ولم تترك للإنسانية ثقبا تطل منه. حاولت ألمانيا إعطاء الانطباع بأنها تجنح للقسوة على إسرائيل، لكن هذا النفاق المفضوح لن ينطلي على أحد.
باختصار، الموقف كله، من فرنسا وما تلاها، لا علاقة له بإيمانهم بحق الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة مستقلة ومستقبل آمن. التحرك موغل في النفاق وهدفه غسل ما أمكن من العار الذي يطارد القادة الغربيين بسبب تواطئهم مع إسرائيل منذ اليوم الأول لهذه الحرب وقبلها. إنهم يلوّحون بالدولة الفلسطينية غضبا من إسرائيل وليس حباَ في فلسطين، وهذه درجة أخرى من ظلمهم الأزلي لفلسطين التي حوّلوها إلى قضية غذاء ودواء وكأن عشرات آلاف الضحايا في غزة يموتون بالزلازل أو فيضانات.
كان حرياً بهؤلاء القادة أن يبدأوا بالضغط لوقف الإبادة في غزة، وأن يمسكوا أيدي إسرائيل وجيشها وشرطتها ومستوطنيها عن القتل اليومي وهدم البيوت في الضفة الغربية. كان حرياً بهم منع مشاريع الاستيطان وسرقة أراضي الفلسطينيين ومزارعهم وممتلكاتهم، لكي يتوفر لمَن يتحدث عن دولة فلسطينية جواب إذا ما سئل: اين تقام هذه الدولة وبمن؟
إخضاع الغرب موضوع الدولة الفلسطينية إلى المساومة والابتزاز لا يختلف كثيرا عن تصرفات الوزراء العنصريين في حكومة نتنياهو الذين ينتقمون من أهل غزة والضفة الغربية كلما أرادوا إغاظة حكومة غربية أزعجتهم بتصريح أو هددتهم باتخاذ موقف.
سقط القناع وانكشفت قمة النفاق. لا أحد يصدّق ادعاءات هؤلاء أو يثق في أقوالهم. وعودهم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية تشبه تصريحاتهم غير البعيدة (قادة الاتحاد الأوروبي مثلا) عن أنهم يعتزمون الاجتماع بعد كذا أسبوع لبحث إمكانية فرض عقوبات عن إسرائيل لثنيها عن القتل في غزة. وعدٌ بالاجتماع بعد عدة أسابيع لبحث (ليس لاتخاذ قرار) إمكانية فرض عقوبات بينما آلة الإبادة الإسرائيلية تشتغل 24/24 ساعة. ثم لن يجتمعوا وإذا اجتمعوا لن يقرروا وإذا قرروا لن ينفذوا. وقد تكرر هذا التسويف والضحك على ذقون العالم أكثر من مرة.




