تربية وثقافة

يموت الكلب ولا يموت نباحه!

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
هرم كلب بيت قوّاص، وطال شعره الأسود المتّسخ، وبات لا يطيق التقلّب أثناء تمدّده من جنب إلى جنب، فيظل رابضًا لساعات طويلة في الزقاق الترابي، الذي يفصل بيت صاحبه أبو عكّاف عن بيت حسين حوا.

لم تكن بيوتنا القروية تُخرج النفايات لأيّام طويلة، وإذا فعلت فمجرّد بقايا خالية ممّا تحبّه الكلاب..
لذا هزل جسد كلب بيت قواص، وترهّل جلد وجهه، وصار لا يقوى على النباح، وإذا فعل؛ بدا كما لو أنّه ينبح على البطيء، كتلك الحركة التي تعلّمناها من أفلام “ستيف أوستن” بالأبيض والأسود في ستينيات القرن الماضي، والتي شاهدناها في سينما نجيب في زريبة الحصان.

كانت أشد معاناتي إذا أمرني أبي بتسلّق السفح خلف بيتنا، والصعود لمناداة صديقه وجاره أبو عكّاف محمّد قوّاص..
كنت أضطر إلى كتم خوفي، على الرغم من السنين التي أطاحت بكلب بيت قوّاص.

أما أبو عكاف الذي اشتهر بتحدّثه للغة أجنبية، وحفظ لازمة: “سي.. سنبك”، فيطلّ برأسه من خلف بابه الخشبي ضيّق الدرفتين، ليشتمَ من رمى الباب بحجر، فيجدني قد سبقته لأقول: “ناطرك بيّي، تفضل ع السهرة”..
يبتلع شتيمته، ويسألني: “ليش ع بترشق” الباب بحجر، فأشير إلى كلبهم الذي تمدّد أمام الباب الضيق، وقد اضطر أبو عكاف ذو الكرش لأن يخطو فوقه، ويتجنّب إزعاجه، أثناء مجانبته الخروج من الدرفة، مرددًّا: “سي سنبك، يا بزونك”..

يتّكئ إلى جانب أبي فوق حصير من القش، فرشته أمّي على مصطبة ترابية بجانب جدار غرفتنا الإسمنتية الوحيدة، ويستند إلى مخدَّتي رويشة، خِيطَت من مِزق أقمشة غير متجانسة.
يطلّ كلبه الهرم من بعيد، يمشي بتثاقل شديد، فيضحك ويقول: سي سنبك.. شرّف فنكلوز..

كانت ساعات السهر طويلة جدًا على الرغم من عدم تجاوزها الثلاث، لأن تلك الليالي الصيفية لم تعرف قوارض الوقت، التي تفتك بأيامنا في هذا الزمن.
يتمدّد كلب بيت قواص على مسافة منهم، يلمع سواد شعره المتّسخ تحت ضوء القنديل المعلّق إلى مسمار في الجدار، ويغطّ في نوم عميق..

لم يكن أبو عكاف وأبي يتحدّثان في السياسة، كما يحصل في غالبية لقاءات هذا الزمن.
يتبادلان نَفَسَ التنبك العجمي من نرجيلة تؤنس قرقعة مائها صمت المكان، ويتبارزان بالعتابا، التي يردّ عليها بعض الجيران بالتصفيق، أو طيّب من هنا وهناك..

يستيقظ كلب بيت قوّاص إذا علا صوت أبي عكاف، وينبح على البطيء: أوووووو..
فيطيّب له أبو عكاف ساخرًا: والله منك قليل يا “فنكلوز.. أوّيل عتابا”..
فنضحك، ونصفّق للكلب، ونهتف نحن الصغار: “سي سنبك.. يا فنكلوز”!

توقّفت بسيارتي قبل أيّام أمام بيت قوّاص، لأدخل دكّان الحلاق.. عاد الطريق المتسع زقاقًا، وعاد “فنكلوز” إلى تمدّده حيث اعتاد أمام الباب.. وعاد إلى رأسي نباحه البطيء..
سألني الحلاق: “بشو كنت صافن” يا أستاذ.. فقلت له: يموت الكلب، ولا يموت نباحه.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى