آفاق مفتوحة لكل الحلول في سوريا..!

كتبت هدى سليم/ سوريا
ساعاتٌ فصلت بين زيارة المبعوث الخاص للرئيس الروسي للتسوية في سوريا السيد إلكسندر لافرنتيف، ولقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوم التاسع من الشهر الجاري، وبين لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان صباح اليوم التالي, في إطار تحرك دبلوماسي روسي لافت تجاه الرياض ودول الخليج فقد بدأ الوزير الروسي بزيارة لأبوظبي وستتلو زيارته للرياض زيارة للدوحة من المتوقع أن يلتقي خلالها بوزيري خارجية كل من قطر وتركيا.
هذه الزيارة ليست الأولى التي يقصد فيها المسؤولون الروس عواصم الخليج العربي بغية البحث عن مخارج لحالة المراوحة المستمرة للأزمة السورية، فقبل عامين, وفي نفس التوقيت من شهر آذار عام 2019م, أجرى السيد لافروف محادثات في العواصم الثلاث بالإضافة إلى الكويت لم تُسفر عن نتائجَ ملموسة في حينه فيما يتعلق بالشأن السوري، فما التطورات التي دفعت بروسيا لتكرار المحاولة واستئناف دبلوماسيتها اتجاه الرياض مرةً أخرى, وهل ستجني ثماراً لم تكن قد أيعنت سابقاً؟
الزيارة التي وصفتها الخارجية الروسية في بيان، أنها زيارةٌ “لضبط الساعة المفصل” للملفات السياسية وأهمها الملف السوري، تأتي في ظل موقفٍ أمريكي متأرجح بين المصلحة واللامبالاة، والحرب والتراجع, وفقاً لوصف صحيفة الإيكونوميست البريطانية في تقرير لها نشرته بتاريخ السادس من آذار الحالي، وأظهرت الإدارة الامريكية الجديدة استمراراً لهذه السياسة في عدم التدخل المؤثر في الملف السوري إلا في إطار ما يكفل حماية مصالحها التي تنحصر حالياً في مناطق نفوذها في الشمال الشرقي لسوريا، وقد ساهم تراجع أهمية الأزمة السورية أمريكياً في منح روسيا دوراً إضافياً وضوءاً أخضراً لترتيب أوراق الازمة والبحث عن صيغةٍ لحلها.
ويتزامن هذا الحراك مع تدهورٍ غيرَ مسبوق اقتصاديا وسياسياً في الأوضاع السورية, فالأطراف السورية (معارضة ونظاماً) هي أضعف الأطراف الفاعلة في الأزمة وأقلها استقلالاً وقدرةً على فرض رؤيتها, خاصةً بعد تعثر جولات المفاوضات بينهما في جنيف وتوقفها منذ كانون الثاني 2018م, ونجاح روسيا في إلغاء تراتبية القرار الدولي 2254 واستبدالها بنقاشات دستورية, لم تسفر عن أي تقدم يذكر, رغم خمس جولات عقدتها اللجنة الدستورية، ومن المرجح أن تقتصرَ مهمة هذه اللجنة في قادم الأيام على شرعنة صيغة الحل التي يتم التوافق عليها بين الأطراف الفاعلة.
وفي ظل انسداد الأفق الذي تشهده العملية التفاوضية باتت الأطراف السورية والإقليمية والدولية تترقب تفاهماتٍ خارج الأطر القائمة حالياً أكثر من أي وقت مضى، وقد يكون موقف دول الخليج لا سيما الموقف السعودي سبيلاً إلى كسر حالة الجمود الحالية، ذلك أن إضفاء الشرعية العربية والإسلامية والدولية لن تتم إلا عبر البوابة العربية التي تشكل المملكة مفتاحها، إضافةَ إلى أن أي صيغة للحل بغض النظر عن عدالتها تتطلب بالضرورة دعماً مالياً لتنفيذها وهو ما تعول عليه روسيا من المملكة ودول الخليج.
ويرى الكثيرون أن الظروف الحالية مواتيةً لإعادة البعد العربي للأزمة السورية إلى الواجهة, وهو ما ينشده السوريون منذ أمد، كما أنها تشكل فرصةً للحد من النفوذ الإقليمي لكلاً من تركيا وإيران اللتان تجاوز نفوذهما سوريا إلى كثير من الأقطار العربية.
في حين تسعى روسيا لتفادي ربط الأزمة السورية بالأزمات الاخرى في المنطقة, والحيلولة دون منح الأطراف الدولية لاسيما الأوروبية منها مزيداً من الأدوار خاصةً في مسألة إعادة الإعمار الأمر الذي يجعلها ترى في دول الخليج العربي أكثر ملائمة وربحاً سياسياً فهي بالإضافة إلى امتلاكها القدرة على توفير الدعم المالي الذي يتطلبه إعادة الإعمار تملك التأثير اللازم لاستعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية.
وعلى الأرجح أن المساعي الروسية تأتي بموافقةٍ أمريكية وقبولاً عربياً، تجلى في قرارات وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير في القاهرة الذي تبنى لغة أكثر مرونة تجاه النظام السوري، إضافةً إلى تطورات العلاقة بين عدد من الدول العربية والنظام السوري. خاصةً وأن روسيا تشترك مع معظم الدول العربية في أهمية الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية, ومنع تقسيمها,ومحاربة التنظيمات الإرهابية, وتقويض مساعي الإسلام السياسي من التمكن من السلطة في سوريا, وهو مايستحق من الطرفين توحيد جهودهما في هذه المرحلة.
وعلى ضوء ذلك تحاول روسيا توظيف المستجدات الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة للحل ترتكز على مشاركة بين النظام والمعارضة بصفةٍ مباشرة، وتتداول بعض قيادات المعارضة في هذا الشأن نقلاً عن موسكو أن المبادرة الروسية تتضمن تشكيل مجلس انتقالي يضم شخصيات من المعارضة وأخرى من النظام مع استمرار رأس النظام الحالي وتقليص صلاحياته، وإعادة تهيئة الأجهزة الأمنية والمؤسسات العسكرية، وإيجاد بيئة آمنة لعودة اللاجئين والمهجرين وذلك ضمن مرحلة انتقالية تفضي إلى خروج بشار الأسد وأعوانه بصفة آمنة ومتدرجة, وبما يحفظ لروسيا استمرار نفوذها في سوريا من خلال نظام موالٍ لها مع تلبية بعض المتطلبات الإقليمية والدولية بما في ذلك المطالب الإسرائيلية وعلى رأسها ضم الجولان وتجميد الجبهة الشمالية لإسرائيل بصفة نهائية.
ويبقى السؤال مشرعاً ما إذا كانت روسيا ستغتنم الفرصة وتستثمر مايتاح لها من تعاونٍ ودعمٍ عربي لاسيما من الجانبين السعودي والمصري في إيجاد الحل المنشود الذي يحفظ لها ماتبقى من ودٍ لدى الشعب السوري والعربي أم أنها سترتكب خطيئةً أخرى بحق نفسها قبل غيرها من خلال استمرارها بتمكين رأس النظام وأتباعه من البقاء, وهذا يعني تفويت فرصةً قد لا تتكرر لها مستقبلاً.
وأخيرا, وإن نجحت روسيا بمساعدةٍ أمريكية ضمنية في ضبط إيقاع الأزمة السورية, منذ تدخلها العسكري المباشر عام 2015م, فهل ستتمكن زيارات المسؤولين الروس للسعودية ودول الخليج من ضبط الساعة المفصل في الدقائق المتبقية من الساعة الروسية أم أننا ربما ندخل في ساعةٍ أخرى قد لا تكون بالضرورة روسيةً بالكامل.
======================



