مقالات
أفغانستان.. تحدث فرقاً.. الجزء “2”..

خاص “المدارنت”..
… فجر الجمعة الثاني من يوليو حينما أتمت القوات الأميركية والأطلسية الانسحاب من قاعدة “باغرام” الجوية أهم معاقل القوات الامريكية في أفغانستان، تكون هذه القوات قد بدأت تودع هذا البلد بعد عشرين عاما من غزوها ومن المنتظر أن يكتمل الانسحاب نهاية أغسطس، وقد تتم ذلك قبل هذا التاريخ بكثير.
وبعيدا عن أي تهويل أو تهوين لما يجري فإن الحقيقة الحاسمة والساطعة أن أمريكا بكل ما تملك من قوة وجبروت وأسلحة فتاكة وحلفاء، انهزمت وانهزم معها حلفاؤها، وأنها انهزمت أمام قوة محلية استطاعت أن تبني شروط نصرها على أكبر قوة في العالم، وأن تحقق هذا النصر، وهذه ثاني هزيمة صارخة لها بعد هزيمتها في فيتنام، وخروجها صاغرة من ذلك البلد.
لا نريد أن نقف كثيرا على مبررات الغزو الأمريكي لأفغانستان، فليس فيه شيء يستحق التوقف عنده، وما عرضته واشنطن من أسباب للغزو بعد هجمات 11 سبتمبر لا يصمد للتدقيق، شأنه شأن الأكذوبة الصارخة التي صاغوها لغزو العراق واحتلاله، ثم إنها تخرج صاغرة لم تستطع أن تحقق شيئا من الهدف المعلن” محاربة الإرهاب”، واضطرت أن تفاوض على مدى سنوات قوة وصفتها بأنها “إرهابية”، رغم أن السياسة المعلنة لواشنطن أنها “لا تفاوض إرهابيين”، وهذا يعني أن العسكرية ألأمريكية انهزمت وهزمت معها ليس فقط السياسة الأمريكية وإنما ثوابت المواقف الأمريكية.
ومع هزيمة قوات الاحتلال الأمريكية، ينهزم بتسارع أتباع أمريكا من الأفغان، أولئك الذين جاؤوا مع قوات الغزو، وأولئك الذين صعدوا إلى مراكز الحكم والإدارة تحت رعاية هذه القوات، ولنتذكر أن الكبار من هؤلاء جاؤوا بطلب من الولايات المتحدة وهم يحملون جنسيتها، ولقد كان المرشح الأول لرئاسة أفغانستان بعيد الغزو هو “زلمان خليل زاده” ثم بدا لواشنطن أن تستبقي “خليل زاده” ليكون مسؤولا عن الملف الأفغاني ورشحت “حامد كرزاي” بديلا عنه لرئاسة هذا البلد.
والآن يتساقط هؤلاء تباعا، تتساقط المواقع والبلدات والولايات بيد قوات طالبان، ويفر أتباع أمريكا ملتحقين بها، بينما يفر الجنود الأفغان الذين تم حشدهم لمواجهة طالبان على مدى سنوات الاحتلال يفرون بالآلاف إلى الدول المجاورة. وقد فر أول ألف جندي إلى طاجاكستان بعد يومين من الانسحاب الأمريكي من قاعدة باغرام، مما حدا بهذا البلد إلى نشر قواته على الحدود لضبط الوضع.
لقد سطرت طالبان نصرها على مدى حكم ثلاثة رؤساء أمريكيين أطلقوا عملية الغزو، رعوه، وعززوه، قبل أن يأتي رابعهم ويقرر إغلاق هذا الملف.
قرار الغزو اتخذه الرئيس “جورج بوش الابن” على عجل متذرعا بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وأنشأ وقاد من أجله تحالفا دوليا من أكثر من أربعين دولة بزعم المساعدة في محاربة الإرهاب “قوات إيساف”، فالتحف هذا التحالف بلحاف الأمم المتحدة، التي أنشأته بموجب قرار مجلس الامن الدولي رقم 1386 في 20 ديسمبر 2001.
ثم عمل الرئيس باراك أوباما على تدعيم قوات الاحتلال الأمريكية التي قدر عديدها بمائة ألف جندي نظامي، عدا المتعاقدين الأمريكيين “المرتزقة”، بثلاثين ألفا آخرين.
وفي محاولة لتغيير المعادلات على الأرض دون زيادة في القوات أمر الرئيس دونالد ترامب الذي امر بزيادة قوات نيران هذه القوات إلى الحد الأقصى غير النووي، فاستخدم قنابل هائلة، وصواريخ لا سابق لاستخدامها. وكان ترامب قد وافق على بدء مفاوضات مباشرة مع طالبان في يوليو 2018 ، لكن هذا الضغط الترامبي لم يفلح.
وأخيرا جاء الرئيس “جو بايدن” بقرار إغلاق هذا الملف الذي مثل أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وبسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، ما يعني سحب كل قوات الاحتلال الأمريكية وغير الأمريكية.
وفي هذا الإطار لا يعود هناك معنى للحديث المتناثر عن بقاء بعض القوات بدعوى حماية مواقع معينة فمثل هذه التصريحات لا تعدو أن تكون لغوا في محاولة ساذجة لإخفاء حجم الهزيمة التي يدل عليها الانسحاب.
الانسحاب الأمريكي جاء تطبيقا لاتفاق تاريخي وقع بين الجانب الأمريكي ووفد طالبان في الدوحة يوم 29 شباط 2020، وذلك إثر مفاوضات استمرت طويلا وتنقلت بين عواصم دول عدة قبل ان تستقر في الدوحة عاصمة دولة قطر، حاولت خلالها واشنطن أن توقف مسيرة نصر طالبان بأن تدفع إلى تشكيل وفد مشترك من طالبان والنظام الأفغاني وما يدعى بمنظمات المجتمع المدني، تضمن من خلاله قيام نظام في أفغانستان يمثل خليطا من هذه التركيبة، لكنها فشلت في ذلك.
عشرون عاما من الاحتلال، ليست مجرد رقم، لكنها تاريخ صراع دام، ووقائع ومصائب وجرائم ودمار، أصاب شعبا آمنا لم يكن قد خرج بعد من حرب عشر سنوات مع قوات الاحتلال السوفياتية ( 1978ـ 1989)، ومن صراعات جماعات المجاهدين المتناحرة عقب الانسحاب الروسي، قبل أن تنهي طالبان هذا التناحر وتبسط سيطرتها على أفغانستان بحلول العام 1998.
عشرون عاما من الغزو والاحتلال اختارت الولايات المتحدة أن تطلق على أول مرحلة منه اسم عملية “الحرية الباقية 2001 ـ 2014″، وعلى المرحلة الثانية اسم “حارس الحرية 2015 ـ 2021″، وعلى عكس هذه المسميات المخادعة فإن هذا الغزو مثل في المرحلتين عدوانا صارخا على شعب آمن، وتدميرا لحرية الوطن الأفغاني، ولحياة المواطن الافغاني، وأريقت فيها من الدماء، دماء المدنيين الأبرياء ودماء العسكريين ما فاق كل الحروب الأمريكية السابقة، وإضافة إلى ذلك أهدرت فيها كرامة الأمم المتحدة على نحو غير مسبوق أيضا.
يلف غموض كبير الأرقام الحقيقية لضحايا الغزو الأمريكي من الجانب الأفغاني من المدنيين ومقاتلي طالبان والرقم يحسب بمئات الآلاف من الضحايا، لكن “بي بي سي نيوز” وثقت استنادا إلى مصادر أممية مقتل 111 ألف مدني أفغاني اعتبارا من العام 2009، حين بدأ توثيق سقوط الضحايا المدنيين، أي بعد ثماني سنوات من الغزو، وتذهب تقديرات إلى وقوع أكثر من مائة ألف ضحية بين المدنيين في السنوات العشر الأولى، كما وثقت “بي بي سي نيوز” إستنادا إلى وزارة الدفاع ألأمريكية، وبعثة المساعدة الدولية “إيساف”، عدد القتلى والمصابين من قوات الاحتلال الأمريكية فبلغ 2300 قتيل إضافة الى 20660 مصاب ومعاق، ومئات من قتلى المرتزقة الأمريكيين العاملين تحت اسم “متعاقدين مدنيين”، وكذلك 450 جندي بريطاني، هذا بخلاف قتلى ومصابين قوة “إيساف”، كما وثقت مقتل 64100 جندي أفغاني.
وفي الأرقام المعتمدة أمريكيا بلغت التكاليف الأمريكية المباشرة لهذا الغزو والاحتلال حتى العام 2019 أكثر من 822 مليار دولار، أي قرابة أربعة مليار دولار شهريا على امتداد ثماني عشرة سنة، وهذا لا يشمل مصاريف القوات الأمريكية الرديفة الداعمة من خارج أفغانستان. كما لا يشمل بالطبع تكاليف “إيساف”.
الولايات المتحدة تخرج مهزومة من أفغانستان، لم تحقق هدفا، ولم تخلف إلا الضحايا والدمار، والسؤال الطبيعي الذي لابد أن يطرح هنا، من يعوض على الشعب الأفغاني والذي يلامس عدده الأربعين مليونا عن أرواح ضحاياه، وعن الدمار الذي أصاب البلاد والعباد، عن أجيال من الأطفال والشباب لا يعرفون إلا الحرب والقتل والمآسي.
يغادر المحتل البلاد، وتنتصر المقاومة، لكن كيف يمكن التعامل مع نتائج ذلك الغزو وآثاره، كيف للأفغاني أن ينظر إلى العالم، وإلى المجتمع الدولي، وإلى الأمم المتحدة بعد هذا الذي حدث له، كيف يمكن للشعب الأفغاني أن يطوي بحق هذه الصفحة الدامية من حياته.
الحق الذي لا مراء فيه أن أول ما يجب هنا أن يقدم اعتذار رسمي وواضح للشعب الأفغاني عن هذا الغزو وما ارتكبه المحتل من جرائم، اعتذار يكون البداية لكل خطوة لاحقة، ويكون في الوقت نفسه بمثابة اعتراف بالمسؤولية عن كل ما وقع عليه وعلى وطنه.
ثم إنه يقع على قوى الغزو والعدوان تعويض هذا الشعب عما أصابه، وإذا كان ما من شيء يمكن أن يعوض عن الحيوات التي أزهقها الاحتلال، ما من شيء يمكن أن يعيد الأب أو الابن أو الزوج أو الأسرة التي شطبها المحتل من لوحة الحياة، فإنه يصبح من الواجب أن يذهب هذا التعويض إلى أجيال الأفغان على تدرجهم استثمارا في العلم والصحة والعمل والحياة الكريمة، وإلى الوطن الأفغاني إعمارا للبنية الأساسية فيه، وتمكينا له من الخروج من وحول زراعة المخدرات التي رعتها قوات الغزو والمتعاونين معها سلطات وميليشيات. وهذا كله يقع على عاتق الولايات المتحدة أولا، وعلى عاتق التحالف الدولي التي شاركتها هذا الغزو. وعلى الأمم المتحدة التي رضيت أن تقدم غطاء أمميا لهذه الجريمة.
إن هذا يستدعي أن يعقب الاعتذار إنشاء صندوق أممي لـ”إعادة إعمار لأفغانستان” تحت إشراف الأمم المتحدة، تموله بشكل أساسي الولايات المتحدة ومن ثم مجموع الدول التي شاركت في الغزو، ويتولى وفق خطة تضعها الدولة الأفغانية الجديدة تغطية تكاليف إعادة إعمار هذا البلد في مختلف القطاعات وعلى مختلف الوجوه.



