مقالات

أفغانستان.. تحدث فرقاً..!

د. مخلص الصيادي/ الشارقة
خاص “المدارنت”..
من علو مناسب، وقبل الدخول بالتفاصيل نستطيع أن نتعرف إلى الصورة العامة للوضع الراهن في أفغانستان، وأن نستشرف بناء على ذلك تطوراتها المنتظرة، أو المفترضة.
هزمت الولايات المتحدة في أفغانستان بعد عشرين عاما من غزوها هذا البلد، وانتصرت حركة طالبان، وعلى عجل بدأت الولايات المتحدة تلملم قواتها وتسحبها، وبالتبعية حلفاؤها، وتترك عملاءها في كابول وولايات البلاد الأخرى تحت رحمة قوات طالبان التي باتت تتقدم بسرعة وبقوة، وقد ينهار الوضع الداخلي للسلطات الأفغانية سريعا على طريقة حجارة الدومينو، وقد يستغرق الأمر أشهرا، لكنه محسوم على كل حال، وستلعب طريقة إدارة طالبان لهذه المرحلة دورا في رسم طبيعتها.
صحيح أن الانسحاب جاء بعد مفاوضات ممتدة، لكنها مفاوضات تمت فيما المعارك لا تتوقف، وهي مفاوضات لم تنتج أي ثمرة كانت الولايات المتحدة تريدها، اللهم إلا أن يسمح لقواتها بالانسحاب دون تعرضها أثناء انسحابها لهجمات.
نصر على قوات الغزو لا تشوبه شائبة، وهزيمة لهذه القوات لا تحجبها حاجبة، هزيمة تذكرنا في بعض الجوانب بهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، لكن المهزوم هنا ليس واشنطن فقط وإنما معها الناتو، والحلفاء الدوليين الذين استدعتهم لمشاركتها الغزو وقد تجاوز عددهم أربعين دولة، وتلفح معظمهم برداء الأمم المتحدة.
هذا النصر سيواجه، أو بدأ يواجه تحديات جديدة، لكنها ليست مفاجئة، تحديات داخلية وإقليمية تتصل باستكمال إدارة معركة النصر قبل الدخول في التحدي اللاحق الخاص ببناء الدولة والمجتمع.
من هذه التحديات الداخلية أمواج الهاربين واللاجئين من الأفغان الذين كانوا عونا للمحتل على مدى عشرين عاما، وكانوا شركاء له في كل الجرائم التي ارتكبها بحق الأفغان وبحق المجتمع الأفغاني، ومن هؤلاء كوادر الدولة الأفغانية الراهنة، وقواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية والإدارية التي بدأت تنهار وتهرب، وفي اللحظة التي تأكد فيها انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “باغرام الجوية” بدأ الجنود الأفغان بالهرب، وتدفق هؤلاء على الدول المجاورة بحثا عن ملجأ آمن، فيما بدأ آخرون بالخروج عن المنافذ المختلفة، واتجه الكونغرس ألأمريكي لإعطاء المتعاونين مع قواته من الأفغان تأشيرات دخول مستعجلة.
من المهم في هذه المرحلة أن تكون طالبان حاسمة إزاء كل هؤلاء، لكن التحدي المهم أيضا أن تكون واعية فلا تنزلق إلى أوحال منطق الانتقام، الذي يشجع عليه ويغري بها الكم الهائل من الجرائم التي ارتكبها المحتل ألأمريكي والعملاء المتعاونين معه، بحق الشعب الافغاني، بحق المدنيين الأفغان.
ومن التحديات أن الدول المجاورة لأفغانستان متخوفة من تداعيات حسم الوضع لصالح طالبان، على استقرارها وعلى أوضاعها الداخلية بما قد يخلفه هذا النصر من تحد لتلك الأوضاع، وبما يمكن أن يوفره من ملاذات آمنة لمعارضيها، أو بما قد يغري أطراف محددة باتخاذ فكر طالبان في بناء “إمارة إسلامية” نموذجا يحتذى، خصوصا وأن بعض هذا الجوار يعاني من احتقان متعدد الدوافع مع الشارع الإسلامي ويواجه معارضة من قوى إسلامية تمثل تهديدا داخليا مهما.
وقد وضعت منظمة شنغهاي للتعاون التي تجتمع يومي 13 / 14 يوليو تطورات الوضع في أفغانستان على جدول أعمال اجتماع وزراء خارجيتها لتبني موقف موحد من هذا الوضع، وتضم منظمة شنغهاي للتعاون كلا من روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجاكستان وأوزباكستان، والدول الثلاث الأخيرة دول إسلامية تحد أفغانستان من الشمال، فيما تحدها ايران من الغرب والصين من الشرق وباكستان من الجنوب، واستشعرت موسكو حجم الخطر القادم من أفغانستان على هذه الدول، المأزومة إسلاميا، ولم تخف موسكو تخوفها من هذه التداعيات، وصرح سيرجي لافروف وزير خارجية روسيا الأربعاء أن موسكو مستعدة للدفاع عن حلفائها إذا استدعى الأمر.
ومن هذه التحديات خطر السياسة “الطائفية الرسالية” لإيران، سياسة “نظام الولي الفقيه”، على استقرار الوضع في أفغانستان، وللمذهب الشيعي الاثني عشري والإسماعيلي في أفغانستان مكانة وأتباعا بحدود 15 % من مجموع السكان تزيد قليلا أو تنقص قليلا، أي نحو ستة ملايين نسمة، معظمهم في قبائل الهزارة والطاجيك، وكان لهؤلاء دورهم في مواجهة السوفييت، وعملت إيران وما زالت تعمل على أن تكون ممثلة لهم، أي على أن يكونوا تابعين لها، وهي التي شجعتهم على المشاركة في النظام السياسي الذي أنشأه المحتل الأمريكي، ثم عملت على استجلاب مرتزقة منهم ” من شيعة الهزارة” قاتلوا وما زالوا إلى جانب قوات النظام السوري تحت أسماء مختلفة “فاطميون، وأبو الفضل العباس”، وقدر عدد هؤلاء الذين استقدموا إلى سوريا بالآلاف.
وخطر هذه السياسة الإيرانية الطائفية حقيقي، خصوصا وأن حدود إيران مع أفغانستان تصل إلى 936 كيلو متر، ومنذ بدأ الغزو الأمريكي لجأ إلى إيران بشكل نظامي وغير نظامي نحو مليوني أفغاني، ومارست على هؤلاء الكثير من أساليب الإغواء والترغيب.
ولكن مما يقلل من القدرة على التلاعب بهذه الأقلية أن إيران التي لها حدود طويلة مع أفغانستان تغطي ولايتي “خراسان وخراسان الرضا” وفيهما تمركز سني، لا تملك تواصلا جغرافيا مع القطاع الواسع من شيعة أفغانستان المتمركزين في وسط البلاد في مناطق “باميان وكابل وغزنة ومزار شريف ومنطقة بغلان”، وبالتالي فإنه إذا أحسن التعامل مع تخوفاتهم، فإن اختراقهم وتوظيفهم دونه عوائق عدة، لكن إمكانية الاختراق تبقى متوفرة، وإذا ما تم ذلك فسيؤدي إلى انعكاسات شديدة السلبية على الداخل الأفغاني، وكارثة على هذه الأقلية.
كذلك من الأخطار التي تواجه “نصر طالبان” ذلك الجيب السرطاني الذي ينشط تحت اسم “داعش”(تنظيم الدولة الإسلامية ـ ولاية خراسان)، والذي ظهر للمرة الأولى في العام 2015، وهو من مخلفات القاعدة التي استقر عدد من قادتها في إيران، لذلك فإن هذا التنظيم ليس بعيدا عن الأجهزة الأمنية الإيرانية، وكذلك ليس بعيدا عن الاستخبارات الأمريكية التي يهمها أن تجهض الانتصار الطالباني. وقد حاول هذا التنظيم إرباك لجهود طالبان العسكرية والسياسية في المرحلة الماضية، ونفذ هجمات واحتل مواقع استهدفت تخريب هذه الجهود وركز عملياته وجهوده على تفجير صراع طائفي شيعي سني من خلال تفجير مراكز ومساجد للشيعة ومن خلال القيام باغتيالات وهجمات ذات طابع طائفي، لكن نجاحه في هذا الميدان كان محدودا، إلا أنه يبقى احتياطيا مهما لكل من طهران وواشنطن.
ومن هذه التحديات النجاح في “الإدارة الفاعلة والمنتجة” للعلاقات مع باكستان، وهي الدولة الوحيدة التي وفرت شروطا جوهرية لنجاح طالبان في مسيرة المقاومة، وصولا إلى مرحلة الانتصار، ومن أهم هذه الشروط التي وفرتها باكستان الدعمُ الدائم والمستقر عسكريا وماديا ولوجستيا للمقاومة الأفغانية. بل إن طالبان في انطلاقتها اعتبرت مولودا باكستانيا ساعدت المخابرات الباكستانية في وجوده ونموه، وأمدته بأسباب الحياة، لينهي الوضع الفوضوي الشاذ ل”فصائل المجاهدين الأفغان” الذين تحولوا عقب الانسحاب السوفياتي إلى الاقتتال والصراع البيني.
وباكستان التي نشير إليها هنا هي الدولة والمجتمع، مصالح الدولة الباكستانية، ومصالح المجتمع الباكستاني، ـ وهذا وضع يتجاوز موقف الحكومات الباكستانية المتعاقبة وصراعاتها الداخلية ـ ومع ملاحظة أن باكستان هي المعادل الموضوعي الإقليمي لإيران، وأنها دولة نووية، تصبح مراعاة احتياجاتها ضرورة لنجاح البلدين معا في التصدي للتحديات القادمة، وفي مقدمة مظاهر هذه المراعاة التجاوز الإيجابي للمسائل الطائفية، والقبلية المتجذرة في البلدين، وفي بنية السلطة والعمل السياسي فيهما، وعدم السماح بوقوع خلافات بينية يتسلل من خلالها أعداء البلدين. وقد أكد رئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان” رفضه تقديم أي عون لأمريكا عسكري أو استخباري يستهدف أفغانستان.
ثم بعد كل هذه التحديات الداخلية والإقليمية سيأتي تحدي بناء المجتمع الأفغاني الدولة الأفغانية، وهو التحدي الرئيس، ليس فقط لأن بناء الدولة والمجتمع بعد تحقيق الاستقلال هو التحدي، وإنما أيضا لأن طالبان ترفع شعار بناء” إمارة إسلامية”، والشعار يعني أن عليها عبء تجسيد “الفكرة” في كيان قابل للحياة، ومن ثم للاحتذاء، وقد فشلت طالبان في تحقيق ذلك قبل الغزو الأمريكي فشلا لم يكن خافيا على أحد.
واشارت طالبان في بيان لرئيس مكتبها السياسي الملا “عبد الغني بردار” في 20يونيو الماضي إلى تفهم الحركة للقلق الدولي والداخلي بشأن تصوراتها لشكل نظام الحكم الذي ستقيمه، مؤكدا أن الحركة ستقيم نظاما إسلاميا حقيقيا يمثل أفضل وسيلة لحل جميع قضايا الأفغان، ويوفر الحماية للنساء والأقليات وقدرة الدبلوماسيين والعاملين في المنظمات الأهلية على العمل بأمان، وقال بردار في البيان” نقطع على أنفسنا التزاما باستيعاب حقوق جميع مواطني بلدنا رجلا ونساء في ضوء قواعد الدين الإسلامي المجيد والتقاليد النبيلة للمجتمع الأفغاني، وسيتم تقديم تسهيلات للنساء للعمل والتعليم”.
وبالتأكيد فإن معايير الحرية والتقدم والعمل والتعليم التي تحدث عنها زعيم طالبان هي شيء آخر غير تلك التي عملت عليها قوات الاحتلال الأمريكية، ونظام كابول التابع لها، للاختلاف الجوهري في مرجعية الطرفين، وسيكشف حكم طالبان الجديد عن الدروس التي تعلمتها هذه الحركة بعد عشرين عاما مضت على تجربتها الأولى في الحكم.
وسيكون حكم طالبان القادم حكما على فكر طالبان ورؤيتها الاجتماعية والسياسية، وهي فكر ديني، وقد تنجح في هذا الاختبار وقد تفشل، لكن في الحالتين ليس حكما على “الإسلام”، فالإسلام لم يكن موضع اختبار ولن يكون، وما هو في موضع الاختبار دائما إنما هو فكر وتصور ورؤى القوى التي ترفع شعار الإسلام، وتعلن أنه مرجعيتها فيما تقدم من تصورات وتنفذ من برامج.
وفق هذه الصورة الاجمالية التي استطلعناها، وفي إطار نجاح طالبان في التصدي للتحديات التي باتت تواجهها الآن، فإن أفغانستان بعد هزيمة الاحتلال وقواته، وتحقيق استقلالها فإنها تحدث فرقا حقيقيا في المنطقة كلها، في الدول والتحالفات والأحداث المنتظرة، وقد يمتد هذا الفرق إلى مدى أبعد بكثير مما يتصوره البعض.
بعد هذه الصورة الاجمالية لا باس أن نقف عند بعض التفاصيل التي من شأنها أن توسع زاوية الرؤية وتكشف لنا الفرق الذي أحدثه المتغير الأفغاني في صورة المنطقة.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى