أيـــــن الــحــقــيــقـــــة؟!

خاص “المدارنت”..
عندما كنت صغيرة، لم أحلم يوماً أن أترك وطني وأهاجر عندما أنضج، لأنني كنت دائماً أعتبر أن لبنان، هو المكان الذي ولدت فيه، وسوف أموت فيه.
عندما بدأت الحرب، ورأيت الويلات والدمار، وشعرت بتصاعد الكراهية والحقد، قرّرت أن أسعى الى أن يصبح بلدي أجمل، لكي نحيا كلنا فيه بسلام وأمان.
لهذا السبب، كنت أنتبه لأدقّ التفاصيل التي كانت تحدث حينها، وكنت أتابع الأخبار بانتباه على جميع الإذاعات تقريباً: “صوت لبنان، صوت الجبل، مونتي كارلو”…، حتى لا يفوتني أي شيء، وبتّ أنتبه لتضارب المعلومات والأخبار، وفهمت منذ ذلك الوقت، أن الإعلام لا يعطي الحقيقة كاملة، لا بل ويكذب أحياناً.
لم ألتحق بأي حزب، أولاَ، لأنني كنت لا أزال صغيرة على الالتحاق بالأحزاب، فلم أكن قد بلغت الثامنة عشرة بعد،
وثانياً، لأن الكل كانوا يَقتلون، وكنت ولا أزال أرفض مبدأ القتل، فكيف إذا كان القتل يطال الأهل والأصحاب!
كبرت، وسافرت، وعدت، وتعلّمت الكثير، وعملت، وحاولت أن أكون عنصراً جامعاً، وسط هذا التمزّق الطائفي والمذهبي والمناطقي والثقافي والطبقي…
نجحت في بعض الأماكن، وفشلت في البعض الآخر… بل فشلت في الكثير من الأماكن، علماً أنني صاحبة إرادة قويّة جداً، أواجه، لا اتراجع، وبعض الأشخاص “يزعلون” منّي لأنني أقول كلماتي من دون تزييف ولا تنميق، لأن الحقيقة جميلة بوضوحها ونقائها، ولا تقبل ان تتشوّه بأدوات التجميل التي تخبّئ صفاءها.
ولكن للأسف، تراكم المخزون الموروث، وثقل وزنه طغى على الحقيقة والواقع! أيّ واقع، فعليّاً؟
الواقع الذي تبدأ كل مشكلاتنا من عنده: واقع الكذب وتزييف الحقيقة لتتماشى مع الأهواء. وعندما أذكر الكذب، لا أقصد به فقط كذب معظم السياسيين الذي اعتدنا عليه، ولكن أقصد أيضاً كذبنا نحن، الشعب، صاحب الذاكرة الإنتقائية والمواقف الاستنسابيّة، والذي ضرب بالحقيقة عرض الحائط، إذ أن لوم الآخر يهمّه أكثر من الحقيقة، واتهام الآخر المكروه جاهز من دون الحاجة الى أي دليل، رامياً بذلك كل القيَم الإلهية والإنسانية في مستوعب النفايات.
فحقده كافٍ لإشعال حطب الاتهام من دون دليل، ظاناً منه أنه بذلك يشفي غليله، ولا يعلم انه بهذه الطريقة يحرق نفسه قبل خصمه، لأن الحقد يشلّ عمل القلب، فيموت تدريجياً، وبالتالي يخسر نفسه وحياته الأبديّة.
نزكّي “الزعيم”، ونقدّسه ونؤلّهه، ولا نسعى الى وضع كتاب تاريخ موحّد يخبر الحقيقة، ويعرّي المجرمين الذين تحوّلوا إلى آلهة. فالكل مستعدّ لخسارة الوطن على أن يخاطر بفضح زعيم الطائفة! فهم لا يريدون أن يعلم الجيل الطالع حقيقة هؤلاء المجرمين، كي يتسنّى لهم غسل أدمغتهم جيّداً والتلاعب بعقولهم ومشاعرهم.
مؤسف أن نكون شعباً يخشى من الحقيقة!
مخجل أن نخاف من الاعتراف بأننا أخطأنا!
كيف سيتسنّى لنا تصحيح هذه الأخطاء، إن لم نعترف بها امام ذواتنا على الأقل؟ الكلّ أخطأ: الكتائب، الفلسطينيّون، الشيوعيّون، المرابطون، السوريّون، القوّاتيّون، الإشتراكيّون، القوميّون، حركة امل، حزب الله، العونيّون، المستقبل…. الجميع!
كم من خيانة أودت بحياة الناس، وكم من تلاعب بسعر الدولار، وكم من عمليّة فساد تمّت منذ الثمانينات، وكم من تصفيات جرت داخل الحزب الواحد في سبيل السلطة، وكم من جريمة حصلت بسبب المال والسلطة، وكم من سترٍ هُتك!
لماذا نخشى ان نقول أن قسماً من المسيحيين، قد صلب المسيح وصلب معه الوطن، وان غالبية السنّة والشيعة، ضائعون في كتب التاريخ المغبرة والعفنة، والتي ربّما تخبّئ الكثير من الحقائق، ولم يتوصّلوا بعد الى بناء مستقبل جميل في هذا الوطن، وأن قسماً كبيراً من الشعب ثمنه بضعة دولارات، وأن ضمير الكثيرين استشهد منذ زمن طويل، ولم يعد احد يذكره.
وغيرها من المصائب….؟
لا أحد يملك أجنحة الملائكة، فكلّنا خطّائون! نحن للأسف شعب منافق، نظنّ أننا نفهم بكل شيء ونعرف صُلْب الحقيقة وجوهرها، لأننا تربّينا بطريقة خاطئة، وتدعو إلى الازدواجيّة بالمعايير:
– نبجّل “فتح الأندلس”، ونبكي على خسارتها، وبالوقت ذاته ندين سرقة الصهاينة لأرض فلسطين، وندعو إلى طرد المستعمر.
– ندرّس أن ريكاردوس قلب الأسد، بطل، بينما المسيح يرفض القتل والقتال.
– نقول عن أحدٍ ما أنه بطل، بينما كان يأكل لحم أعدائه، متناسين أن اكل لحم البشر تشمئزّ له النفوس!
لله الحمد، لم يخسف بنا الأرض حتى الآن!
كميّة الكذب والنفاق التي تحيطنا مهولة، وتمنعنا من رؤية الحقيقة الناصعة. نتعوّد على الكذب منذ نعومة أظافرنا، نسمّيها “كذبة بيضا”، ولكأن للكذب ألوان! فالكذب كلّه أسود، وعفن!
تحوّل الكذب في حياتنا إلى عملاق مخيف، وها هو يحوّل حياتنا إلى مجموعة أشلاء بشرية ملطّخة بالدماء…
الخلاص الوحيد هو في وقفة جريئة وشجاعة بوجه انفسنا،وليرَ كلّ منّا أين أخطأ، ولتوقّف عن التفتيش عن اخطاء الآخرين!
كلّنا اخطأنا، وكلّنا مسؤولون عن دمار الوطن… وكلّنا لدينا الإمكانيّة لتصحيح أخطائنا، فلنسرع برؤية الحقيقة، حقيقتنا وحقيقة كل ما يحيط بنا، حتى لا نخسر ما تبقّى من أرضنا المعطاء ومن إنسانيّتنا الجميلة.



