مقالات

“إســـرائـيـــل”.. الـثـــور الـهـــائـــــج!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
وأنا أشاهد وأرى تداعيات عملية “طوفان الأقصى”، التي إنطلقت في السابع من هذا الشهر (أكتوبر )، وبعد مرور أكثر من أسبوع على وقوعها، وما تقوم به “اسرائيل” (الكيان الصهيوني) من أفعال وتصرفات وسلوكيات إجرامية ووحشية، تتنافى مع أبسط القيم الإخلاقية الإنسانية كردة فعل عليها تجاه الفلسطينيين في قطاع غزة، تذكرت فيلم “الثور الهائج (بالإنجليزية: Raging Bull)‏”، كواقعة تنطبق عليها..
ذلك الفيلم الذي أنتج عام 1980 للمخرج مارتن سكورسيزي، بناء على سيرة الملاكم المعروف جيك لاموتا، «الثور الهائج: حكايتي».
حيث تحكي قصة الفيلم مرحلة حياة الملاكم الأمريكي جيك لاموتا، وتمتد لنحو ثلاث وعشرين عامًا، من عام 1941 م. لعام 1964 م.
تبدأ القصة وتستعرض نشأته في حيّ فقير بمدينة نيويورك الأمريكية، وكفاحه وصعوده والمواقف الصعبة التي مرّ بها، حتى أصبح بطل الملاكمة الأول في الوزن المتوسط، وحصوله على ملايين الدولارات، وتبديده لأمواله، وزواجه مرتين، وأيضًا علاقاته بمن حوله والعنف مع أقرب الناس له، وبخاصة مع زوجته الثانية التي أحبها كثيرًا
حيث برزت القصة حياة تلك الملاكم كشخص سطحي وأناني ومعقد، يشاهد كل عالمه ينهار أمامه، بسبب الغيرة والشكوك القاتلة، التي أوصلته حد الجنون، والتي هيمنت على علاقته مع زوجته الثانية، وكيف أنه كان يصبّ غضبة في حلبة الملاكمة، حتى ينتهي به الحال بالعمل ككوميدي داخل إحدى الحانات الليلية الرخيصة.
تلك العملية البطولية، وكما قال صديقنا العروبي الأصيل الدكتور حسين علي، أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس: “أدّت بإسرائيل أن تسلك سلوك الحيوان الجريح؛ إذ يتخبط قادتها على نحو عشوائي تحت وطأة آلام الجرح النازف. حيوان ينشب أنيابه وأظافره في كل من يصادفه؛ عدوًا كان أو صديقًا؛ ولا أدل على ذلك من إطلاق النيران على أهداف وأشخاص إسرائيلية عن طريق الخطأ وسوء التقدير مما يكشف عن حالة اضطراب بالغة”.
تلك التصرفات التي تشبه تصرفات ذلك الثور الهائج بعد أن وجد نفسه فجأة، وبدون مقدمات وسابق إنذار، قد فقد نفسه، وتبعرثت كل أحلامه، وفقد القدرة على استيعاب ما حدث له، بعد أن فقد قرونه وأظافره، وأصبح لا يستطيع الرؤية، ولم يتبقَّ لديه سوى رأسه وجسده وقدماه، فأصبح يخبط كل من حوله وكل ما يقابله ويقف أمامه، خبطا عشوائيا همجيا، لا يفرق بين من هو معه وبين من سلبه كل وجوده، ليس بسبب (الغيرة والشكوك القاتلة) كصاحب الفيلم، بل بسبب الغرور والتعالي على المنطقة بأكملها والعالم بأكمله، ولن ينتهي به الحال إلا كمهرج كوميدي تراجيدي على مستوى المسرح العالمي، كما كانت نهاية صاحب الفيلم “بالعمل ككوميدي داخلوإحدى الحانات الليلية الرخيصة”..
إذ كيف له ألا يكون كذلك، وخمسة وعشرين دقيقة، كانت كفيلة بتغيير وجه الصراع، وأنهت ما بني خلال أكثر من سبعة عقود، وغيرت وجه المنطقة والعالم؟!
فإذا كان العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 م، من قبل بريطانيا العظمى! وفرنسا و”اسرائيل”، قد أدّى إلى افول الإمبراطورية البريطانية والفرنسية كقوى عالمية استعمارية مع بقاء “اسرائيل”، لتصل إلى ما وصلت إليه الآن، وتغيير الخارطة العالمية، خارطة القوى الدولية، وبروز قوى دولية عالمية تتحكم في هذا العالم، فإن خمسة وعشرين دقيقة فقط من العمل البطولي، كانت كفيلة وكافية لإنهاء الطرف الثالث الذي بقي من ذلك العدوان “اسرائيل”، عسكريا ومخابراتيا وامنيا واستراتيجيا.. والقضاء على زيف القوة التي لا تقهر وتمريغه في الوحل، بعد أن صنع ذلك الزيف خلال أكثر من سبعة عقود، ناهينا عن الآثار الكارثية والوخيمة عليه اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وحتى وجوديا، بغض النظر عما يجري الآن من إبادة جماعية من قبله، وبغض النظر عما سوف تؤول إليه الأحداث لاحقا، فإن كل ذلك صار واقعا معاشا لا يمكن نكرانه..
فما إنكسر لا يمكن إعادته، “لقد أسقط المقاتلون الفلسطينيون أسطورة التفوق “الإسرائيلي”، وبددوا وهم الجيش الذي لا يقهر. إن الجرح الغائر الذي أصاب كبرياء جيش الدفاع “الإسرائيلي”، والثغرة الهائلة في جدار الأمن “الإسرائيلي”، وتمريغ أنف “إسرائيل” في الوحل على أيدي رجال المقاومة الفلسطينية؛ كل ذلك زعزع أوهامًا وأساطير كثيرة – روج لها “الإسرائيليون” (الصهاينة) منذ عام 1948 – وأسقطها. فأصاب قادة “إسرائيل” بالجنون، وأفقد شعبها الإحساس بالأمن الذي كان ينعمون به. ويتوهم «نتنياهو» ومن معه أن عدوان الجيش “الإسرائيلي” الوحشي على الشعب الفلسطيني في غزة، سوف يمحو عار الهزيمة التي لحقت بـ”إسرائيل”؛ إنهم يسعون للحصول على اللبن المسكوب”.
فـ”ذات يوم، صرَّح إسحق رابين رئيس وزراء “إسرائيل” الأسبق: «أتمنى لو أستيقظ ذات صباح وأرى البحر يبتلع غزة». وهذا ما يحاول القيام به قادة “إسرائيل” اليوم، إنهم يسعون إلى مسح غزة بسكانها من على وجه الأرض”.
كما قال صديقنا العروبي الأصيل سالف الذكر، ويضيف قائلّا: “مهما كانت نتائج القتال الدائر الآن في الأراضي الفلسطينية، ومهما كان حجم ووحشية العدوان “الإسرائيلي” على غزة؛ فلن يغير كل ذلك من واقع هزيمة “الجيش الإسرائيلي” على يد مقاتلي الفصائل الفلسطينية، إنها هزيمة تاريخية غير مسبوقة، وسوف يخلدها تاريخ الصراع العربي “الإسرائيلي”، وبخاصةٍ كفاح الشعب الفلسطيني للحصول على حقوقه التاريخية”.
تلك الآثار، لا ولن تقتصر عليه فقط، بل ستشمل وتعم المنطقة والعالم بأكمله، ولربما سوف تؤدي إلى تغيير الخارطة الإقليمية والعالمية الحالية..
وحتى لو لم تفعل ذلك الآن، فإنها تعتبر بمثابة البداية لكل ذلك..
وهذا ما سوف تثبته الأحداث والوقائع في الأيام والأسابيع والشهور القادمة، بل لقد بدأت مؤشرات ذلك كله، تلوح في الأفق من خلال التداعيات المحلية والإقليمية والدولية حتى الآن..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى