مقالات

إعتذار الحريري.. حيثيّات وتداعيات..

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”..

كان استشهِاد رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق الشيخ رفيق الحريري، زلزالًا مُدَوِّيًّا بلغت ذبذباتُهُ القويّة أرجاء لبنان، كلّه، فاستطاعت حشد الناس للمطالبة بخروج الجيش العربيّ السوريّ وأجهزته الامنيّة من على الاراضي اللبنانيّة كلها بعد حوالي 30 سنة من دخولها بموجب قرارات من الجامعة العربيّة أثناء الحرب الاهليّة التي عصفت بلبنان واللبنانيّين لحوالي 15 سنة.
كان من الطبيعيّ، حسب عادات السياسيّين اللبنانيّين والعرب، أن يخلف “بهاء”، الابن البكر للحريري الأب ، والده في قيادة الجوّ السياسيّ الذي بدأ بانشائه لحوالي 30 سنة من العمل الخدماتيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، لكنّ ايادٍ خفيّة ازاحت بهاء واستبدلته بسعد الدين دون ايّ تبرير او تفسير.
لسبب او لآخر، لم يُكتب للشيخ سعد، أن يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء اللبنانيّ، الذي كان من الطبيعيّ ان يصير الى التيّار الذي خلّفه والده، فتمّ اختيار فؤاد السنيورة، بقدرة قادر، ليحلّ محلّه في موقع رئاسة الوزراء لحوالي اربع سنوات الى أن أتى دَور الشيخ سعد عام 2009، لحوالي السنتين ثمّ، على أثر التسوية الرئاسيّة عام 2016، لحوالي ثلاث سنوات ثم أتى التكليف الأخير لحوالي تسعة أشهر لينتهي بالاعتذار دون التأليف.
أُدخِل الشيخ سعد، الى معترك السياسة اللبنانيّة، بسلاحين، اثنين:
1 – دعم لا محدود من المملكة العربيّة السعوديّة ومرجعيّاتها العالميّة.
2 – دعم من تيّار شعبيّ يمتدّ عبر الطوائف والمذاهب اللبنانيّة، في لبنان والمهجر، يرتكز على قاعدة شعبيّة عريضة تشكّل ما يزيد على 75 % من أهل السنّة والجماعة.
بدأ الشيخ سعد، بخوض معاركه بمواجهة “حزب الله”، الذي يُعتَبَر اليد الطولى لإيران في لبنان، الخصم اللدود للملكة العربيّة السعوديّة، والتي خسرت في السنوات الماضية، معظم ارصدتها الشعبيّة في العالم العربيّ، بعدما كانت قد دخلت هي و”حزب الله” كل البيوت، من دون استئذان بسبب دعمها للمقاومة اللبنانيّة والفلسطييّة ضدّ الاحتلال الصهيونيّ.
لم ينجح الشيخ سعد، في مواجهة “حزب الله”، وحلفائه، فساقته الأحداث الى ان ينَسِّق معهم ثمّ يتعاون تحت سقف “مصلحة” لبنان. لكنّ هذا التنسيق والتعاون، أثار حفيظة مرجعيّاته الإقليميّة والدوليّة الى أن تطوَّرَ الامر الى نفور، ثم غضب، ثم رفض تامّ، ظهرت تجليّاته في احتجازه لعدة ايّام، عام 2017، في المملكة العربيّة السعوديّة، واجباره على الاستقالة من رئاسة مجلس الوزراء، في بيان مُتَلفَز، في سابقة لم تحدث في تاريخ العلاقات الديبلوماسيّة بين الدول والحكومات..
اهمّ مرحلة حاسمة، في حياة الشيخ سعد الحريري السياسيّة، بدأت عام 2016، بما يُسمّى “التسوية الرئاسيّة” التي أتت بالعماد ميشال عون، رئيسًا للجمهوريّة اللبنانيّة، وبسعد الحريري، رئيسًا لمجلس الوزراء، وبجبران باسيل، لاعبًا أساسيًّا وحاكمًا فعليًّا لما يستطيع اليه سبيلا..
انتهت هذه المرحلة، بالحراك الشعبيُ الذي بدأ في 17 تشرين الاوّل عام 2019، والذي ادّى الى تعريَة الطبقة السياسيّة الحاكمة كلّها، وفضح عمليّات نهب الاموال العامّة وتبديد أموال الناس المودعة في “البنوك”، ممّا ادّى الى ظهور الأزمات الاقتصاديّة والنقديّة دفعة واحدة، أدخلت البلاد في أتون الاحتجاجات والفوضى والخراب، ما زالت نيرانه تتعاظم حتى اليوم..
من الواضح أن الشيخ سعد، حاول جاهدًا أن يحافظ على موقع رئاسة مجلس الوزراء، لكنّ القوى المحلِّيّة، من رئيس جمهوريّة وصهر، والاقليميّة، كما يبدو، ومن ورائها الدوليّة، الرافضة لبقائه، كانت مصمِّمة على إنهاء دوره في هذه المرحلة.
هل تأخّر الشيخ سعد، في تَقَبُّل الرسالة الاقليميّة ومرجعيّاتها الدوليّة، ولعِبَ كلّ الأوراق التي كان يظنّ انّها في يده – قبل انجاز الاتفاق الاميركيّ/ الإيرانيّ؟! ماذا ستكون تداعيات اعتذاره؟ ماذا ستكون ردود أفعال اهل السنّة في حال اعتبروا أنفسهم خاسرين وخائبين ومخذولين؟! ماذا ستطرأ تحوُّلات في المشهد السياسيّ داخل الطائفة السنّيّة؟! ما هي التحالفات الجديدة التي ستتكوّن في المشهد السياسيّ على مستوى لبنان؟! هل سيقى لبنان كيانًا واحدًا “ممسوكًاً الى حين؟! أم انّ ساعة حقيقة التقسيم قد حانت ولا مردّ لها؟!
تساؤلات كثيرة، ستشهد الاشهر القادمة أجوبة عليها -بخاصّة اذا كان الشيخ سعد الحريري، باعتذاره بناء لنصائح مرجعيّاته، قد اغلق باب لبنان وراءَهُ، وذهب مع الريح – نفس الريح التي ستذهب بالبلاد..!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى