مقالات

الإيديولوجيا الحداثية “الإبراهيمية”.. (الجزء الأول)..

عبد الناصر طه/ فنزويلا
خاص “المدارنت”..
المصطلح:
فكرة الحوار بين الاديان ‏انطلقت منذ زمن بعيد، وكانت مبادرة تحالف الحضارات بدايتها الرسمية لتشجيع الحوار الثقافي والتقريب بين الأديان، تلك المبادرة التي اطلقها رئيس الوزراء الأسباني (خوسيه لويس ساباتيرو)، ‏خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والخمسين عام 2005، التي ساهم في تمويلها رئيس ‏الوزراء التركي (في حينه) رجب طيب أردوغان.
‏اما فكرة توحيد الأديان ‏في بوتقة واحدة فتعرف بالديانة ‏الإبراهيمية، وهي قديمة متجددة، ويتم العمل عليها بهدوء وعبر تقطيع مراحل زمنية مطلوبة لإتمام نجاحها، وكانت تبرز بين الحين والآخر حتى بدأالجهر في الدعوة لها عبر جمعيات ومؤسسات وهيئات خيرية، ‏وعبر مؤتمرات عالمية حشد منظموها لها ‏ما استطاعوا من شخصيات دينية ومالية وعلمية وثقافية.
‏وما مصطلح “الأيديولوجية الحداثية” إلا شكلا من أشكال الترويج للديانة الإبراهيمية الجديدة التي تسعى إلى توحيد العالم تحت شعارات التنمية المستدامة ونبذ العنف والمساواة بين الأعراق والأجناس والأديان، ‏وصولا إلى وقف كل اشكال الحروب الدينية، وإقامة المعابد الموحدة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين على وجه الخصوص.
‏وتهدف الديانة الجديدة إلى تجميع القادة الدينيين ‏والسياسيين‏ لتقريب التراث المشترك، كون الديانات الثلاثة تعود أصولها إلى النبي إبراهيم، وتستطيع البناء على تلك الأصول سبيلا للاتفاق الديني أولا، ‏ثم ما يليه من اتفاقات ثقافية واجتماعية وسياسية، وربما تتجاوز ذلك إلى التاريخ والجغرافيا.
‏ولعلّ من المفيد أن نشير إلى “البهائية”، ‏كديانة اعتمدت في منطلقاتها على الدين الإبراهيمي، و نادت بالتوحيد على أساس ثلاثة هي: 1 -‏ وحدانية الله 2 – وحدة الدين 3 – وحدة الإنسانية.
‏إذن، الفكرة قديمة، والمصطلح متجدد، وتغلب عليه الصفة الإبراهيمية غالبا..
‏بين الفعل وردّ الفعل:
الفكرة توحيدية إنسانية تهدف إلى صنع السلام الديني، كذلك يفهمها ‏الغرب باعتبارها دعوة للتلاقي بين الأديان، بقيادة يهودية، عبر مفكرين و مؤسسات بحثية ومعرفية تؤمن بدور ‏طليعي تنويري لليهود في توجيه مسار التاريخ؛ ‏وليس لها من مناوئين سوى انفار من شخصيات يهودية اصولية ‏ومسيحية ‏إنجيلية متناثرة هنا وهناك؛ ‏‏و أنشئت -بناء على ذلك- المؤسسات والجمعيات والمدارس الفكرية التي تدعو للسلام بين الأديان، و توزعت فروعها في قارات الكون ومعظم دوله تحت سميات مختلفة لها نفس التوجهات والأهداف، ‏وتلاقى التشجيع والتأييد بين الأمم والشعوب المختلفة، كونها ترفع شعارات إبراهيمية توحيدية دون نظر إلى دين أو قومية.
‏أما العرب عامة، والمسلمون خاصة، ما زال الكثير منهم يترقب الفكرة، ولا يسعى إلى درسها، رغم اهتمام العالم الواسع بها؛‏ بالرغم أن كثيرا منهم رحب بخطوة ‏لقاء ‏أقطاب وممثلي الديانات الإبراهيمية على أرض أبو ظبي عام 2019 م، وأيدها علماء المؤسسات الدينية في دول مصر والأردن والسعودية والإمارات؛‏وبشر بالفكرة ركب من المثقفين ورجال السياسة في دول عربية وإسلامية تعتمد في اقتصادها على أموال دول النفط والغاز ؛ وكان مؤتمر أبو ظبي لتوحيد الديانات بمثابة إعلان دولي لنشر الإيديولوجيا الجديدة بمشاركة بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر وحاخام اليهود الأكبر ؛ ‏حتى أن السيد مقتدى الصدر في العراق تطرق في تغريدة له على Twitter إلى مصطلح “الديانة الإبراهيمية” وأن الإسلام لا يتناقض مع وحدة الديانات تحت راية لا إله إلا الله.
‏والمعترضون خجلون في مواقفهم، حيث يتم الخلط بين الخلفية الدينية والخلفية السياسية للفكرة بقصد وبدون قصد، ‏وجلّ مآخذهم وتعليقاتهم تنبع من خلفيات أيديولوجية، دينية وسياسية؛ ولا يجمع بين المعترضين قواسم مشتركة أو آراء موحدة.
.
‏المصطلح الحديث قيد التمرين، والفكرة عالمية تعمل على ترويجها مراكز أبحاث ‏متخصّصة، ‏وتعمل من أجل نجاحها مؤسسات إنسانية خيرية متوزعة على امتداد الكرة الأرضية؛‏وردود الفعل مؤيدة في معظمها، وإن كان بعض المؤيدين يعمل للفكرة بالسر بعيدًا عن الإعلام والإعلان.
الحلقة المقبلة: إحتضار الإيديولوجيات.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى