الاحتضان الأميركي المتأخر للعراق!

“المدارنت”
تجربة الولايات المتحدة في العراق منذ 2003 إلى يومنا هذا، تعدّ من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة. فقد تعرضت هذه السياسة لانتقادات لاذعة من خبراء السياسة، ومن العديد من الأمريكيين ووصفت بأنها لم تكن استراتيجية مرتبكة فحسب، بل كانت مُختلَّة وغافلة عن الحقائق الإقليمية ومبنية على حسابات كارثية وخاطئة.
ومن بين هذه الأخطاء، تنازل واشنطن عن العراق وتقديمه هدية على طبق من ذهب لإيران. فالعراق لم يصل لمرحلة التبعية للسياسة الايرانية على مدى أكثر من عقدين، إلا بسبب سياسة واشنطن، التي تصورت أن بوسعها بناء ديمقراطية مثالية في العراق على النمط الغربي. ولكنها بدلا من ذلك تسببت بخلق سلسلة من التداعيات التي قضت على الهوية الوطنية للعراق، وعلى علمانية الدولة التي كانت موجودة أصلا قبل الاحتلال الأمريكي.
فعلى الرغم من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان في عهد الرئيس (الراحل) صدام حسين، إلا أن الهوية الرسمية للدولة وللمجتمع العراقي كانت هوية وطنية وعلمانية، لأن حزب البعث الحاكم كان لا يعترف بالهويات الفرعية الأخرى، كالدين والطائفة والمذهب والعشيرة، إلا أن هذه الهوية الوطنية سحقت سحقا من خلال تبني واشنطن نظام المحاصصة في إدارة الدولة في العراق بعد الاحتلال.
فلم يعد العراقي يفكر بأنه عراقي الهوية، بل يعرف نفسه على أنه شيعي أو سني أو مسيحي أو كردي أو تركماني، وهكذا محت واشنطن الهوية العراقية الوطنية التي كانت الخيمة الدافئة التي تحتضن جميع العراقيين، ويستخدمونها كأداة تعريف عندما يقدمون أنفسهم للعالم، واستبدلتها بهويات فرعية مزقت العراق وأضعفته. فبدلا من التعامل مع العراق وفق رؤية وطنية أجبرت واشنطن، بمعية أحزاب المعارضة العراقية في المنفى، على التصويت للدين وللطائفة وللمذهب وللقومية، وأغرتهم بمغانم أمنية ومالية.
وما يزال الكثير من المراقبين للأحداث يتساءلون عن الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات على غزوها للعراق واحتلاله، لتهمله بعد ذلك بشكل ممنهج، وتتخلى عنه سنين طويلة، ما أدى إلى تفكك الدولة وسيادة الفوضى وصعود الفصائل المسلحة المدعومة إيرانيا، لتملأ الفراغ وتجعل العراق ساحة مفتوحة للصراعات والنزاعات بين القوى المحلية والإقليمية المتنازعة. كان البعض يظن أن هذا الإهمال المخطط، جاء لمعاقبة العرب السنة الذين قادوا عمليات المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي ما جعل واشنطن تسلمهم لقمة سائغة للأحزاب المؤتمرة بأوامر إيران.
إلا أن المحللين يؤكدون أن هذا التحليل يجافي الحقيقة، التي تشير إلى أن واشنطن اعترفت بأن سياسة الإهمال والتخلي هذه جاءت نتيجة لإخفاقات استخباراتية جسيمة وحسابات جيو/ سياسية خاطئة وعدم إدراك واشنطن لبنية المجتمع العراقي، الذي لم يتقبل المشروع الغربي.
فالسياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق شهدت وعلى مدى عقدين من الزمن تذبذبا حادا بين الاحتلال العسكري والفشل في إدارة الدولة، ومن ثم ممارسة الإهمال المتعمد، وانتهاء بما يمكن أن نسميه سياسة الاحتضان المتأخرة، التي تمثل نهجا استراتيجيا تتخلى واشنطن بموجبه عن سياسة العداء والقسر تجاه العراق، وتنتقل إلى ممارسة علاقات ديبلوماسية دافئة وإلى تكامل اقتصادي ودعم كبير. فبدلا من فرض عقوبات اقتصادية صارمة، أو ربط الحصول على المساعدات بتطبيق أيديولوجيات سياسية محددة، تسعى واشنطن الآن إلى احتضان العراق وتقريبه من أجل أن ينحرف ولاءه السياسي انحرافا سلسا وانسيابيا بعيدا عن مناطق النفوذ المنافسة.
فسياسة الاحتضان الجديدة تمثل انقلابا كاملا على عقيدة الغزو والاحتلال وانقلابا كذلك على سياسة الإهمال المتعمد، التي تلت الاحتلال.
السياسة الأمريكية الجديدة تهدف إلى دمج العراق في ممرات الطاقة العالمية والتعامل معه باعتباره شريكا إقليميا لا غنى عنه.
الا أن الكثير من المراقبين يستغرب تأخر هذه المبادرة الأمريكية، وكأن الولايات المتحدة كانت غارقة في نوم عميق ثم استيقظت فجأة لتدرك أنها أهملت العراق لسنين طويلة، مما أغرقه في الفوضى السياسية وتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية وجعله نهبا للفساد الذي التهم كل شي فيه، بينما يكافح مواطنوه ليسدوا رمقهم ويظلوا على قيد الحياة فحسب، في دولة تعتبر من أغنى دول العالم بالثروات التي لم تستثمر لحد الآن، بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة عليه ماضيا وحاضرا.
قد يظن الكثيرون أن واشنطن لجأت لسياسة الاحتضان الجديدة هذه لأنها تريد فعلا العمل على بناء العراق وتنميته وازدهاره، إلا أن المتابع للسياسة الأمريكية والوقائع الراهنة يدرك أن واشنطن، أجبرت على ممارسة سياسة احتضان العراق بعد الإخفاقات المدمرة التي ارتكبتها في الماضي، والتي قادت للأسف إلى صعود جماعات مسلحة مدعومة من إيران أضعفت سيادة الدولة وسلطة القانون، بالإضافة لذلك فإن تمكن الصين من اختراق الاقتصاد العراقي، وحصولها على استثمارات فيه وفشل الاحتلال الأمريكي في فرض النموذج الديمقراطي الغربي على مجتمع معقد وصعب المراس ومتعدد الأديان والطوائف والقوميات، ساهم هو الآخر في إجبار واشنطن على الاعتراف بالواقع ومحاولة ترميم الشروخ السابقة.
ونتيجة لمطالبة العراق المستمرة بضرورة خروج جميع القوات الأمريكية من العراق وافقت واشنطن في النهاية على ذلك، بعدما أدركت أن احتلال العراق عسكريا قاد إلى تأجيج مشاعر العراقيين المعادية لأمريكا، ودفع العراق للتعاون مع دول أخرى مثل طهران وبكين في قطاعات متعددة. ولكن هذه الموافقة الأمريكية جاءت بموجب شرط صارم يتمثل في فتح الاقتصاد العراقي أمام الشركات الأمريكية.
ومع تزايد اضطراب خطوط الشحن في الشرق الأوسط، بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز وتحكمها به، أصبحت واشنطن بحاجة ماسة إلى وسيلة لحماية أسواق النفط العالمية عبر دعم العراق كحليف ذي سيادة، يسمح بإعادة بناء خط أنابيب النفط بين العراق وسوريا، مما يتيح لملايين البراميل من النفط تجاوز نقاط الاختناق التي تسيطر عليها إيران.
سياسة الاحتضان الأمريكية ستجبر واشنطن على التعامل مع العراق كشريك تجاري متكافئ، يرتبط مستقبله المالي بالنظام المالي الأمريكي وشركات الاستثمار والتجارة الأمريكية، بدلا من التعامل معه كمحمية أمريكية. فواشنطن لا تعتبر انسحاب قواتها من العراق هزيمة أو تخليا عن العراق، بل تبدلا في استراتيجيتها التي ترى أن العراق لم يعد بحاجة إلى وجود عسكري يحميه بعد تمكنها من كبح جماح إيران.
وحسب التقديرات الأمريكية، أصبح العراق قادرا على الاعتماد على نفسه في بسط الأمن وحراسة الحدود ومكافحة الفساد، ولم يعد بحاجة لوجود القوات الأمريكية لضمان أمنه واستقراره اللذين يمكنه تحقيقهما من خلال بناء دولة عراقية مكتفية ذاتيا ومدعومة من أمريكا والغرب عموما.
إن التحول الذي نشهده اليوم في السياسة الامريكية تجاه العراق هو إدراك براغماتي متأخر بأن عقدين من الوجود العسكري الأمريكي المكثف في العراق، فشل في احتواء النفوذ الإيراني، وفي تحقيق الاستقرار في المنطقة. فإدراك واشنطن المتأخر بأن دحرها للنفوذ الإيراني في العراق والمنطقة لن ينجح بالقوة العسكرية، هو الذي جعلها تستبدل استراتيجيتها وتبدأ بمعاملة العراق كدولة ذات سيادة وكحليف تجاري مقرب.
وفي هذا النطاق فإن واشنطن تعول على حقيقة أن جيل الشباب في العراق قد أصابه الإرهاق الشديد جراء التحزب والانقسام الطائفي والركود الاقتصادي والتدخل الأجنبي وغياب الخدمات الأساسية والبطالة والجهل المستشري والفقر المدقع، مما يجعله يدعم أي استراتيجية تهدف إلى إضعاف قبضة إيران في العراق والمنطقة وخلق عراق قوي ومستقل ومكتفٍ اقتصاديا من خلال سياسات التكامل الاقتصادي والاستثمارات العالمية للشركات الأمريكية الكبرى ومشاريع البنية التحتية التي ستؤدي جميعها لإعادة ربط العراق تدريجيا بالاقتصاد العالمي المتسارع.



