مقالات

الاحتلال وبيان الـ28.. علاقات عامة أم صحوة متأخرة؟

“المدارنت”
صدر مؤخراً بيان دولي مشترك استثنائي في طبيعته ونبرته ومفرداته، يحث «جميع الأطراف والمجتمع الدولي على العمل بشكل موحد من أجل وضع نهاية لهذا الصراع الرهيب» في قطاع غزة، وعلى «وقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار. حيث إن إراقة المزيد من الدماء لا تخدم أي غرض». ويدعو «الحكومة الإسرائيلية إلى رفع كافة القيود التي تعيق تدفق المساعدات الإنسانية فوراً، والسماح عاجلاً للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية القيام بعملها المنقذ للأرواح بشكل آمن وفعال».

كذلك يناشد «العمل على حماية المدنيين، والوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني»، ويرى أن «مقترحات نقل السكان الفلسطينيين إلى «مدينة إنسانية» هي اقتراحات غير مقبولة على الإطلاق. وعملية التهجير القسري والدائم للسكان تعتبر انتهاكا للقانون الدولي الإنساني». ويعارض البيان بشدة «أي خطوات للتغيير الديمغرافي والجغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فخطة بناء مستوطنات في المنطقة «إي 1» التي أعلنتها الإدارة المدنية الإسرائيلية ستؤدي، في حال تنفيذها، إلى تقسيم الدولة الفلسطينية إلى قسمين، الأمر الذي يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وتقويضا خطيرا لحلّ الدولتين».
والبيان صدر بداية بتوقيع وزراء خارجية 17 دولة أوروبية بينها المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وإيرلندا وبلجيكا، و7 دول أخرى غربية بينها أستراليا وكندا ونيوزلندا، بالإضافة إلى اليابان والمفوض الأوروبي المعني بالمساواة والجاهزية وإدارة الأزمات ووقعت على البيان أمس ثلاث دول أوروبية أخرى. أما الدول الواقعة في النطاق الجغرافي ذاته، والتي امتنعت عن التوقيع، فهي ألمانيا وجمهورية التشيك وهنغاريا وسلوفاكيا، واكتفى وزير الخارجية الألماني باتصال مع نظيره الإسرائيلي للإعراب عن «قلق بلاده حول الوضع الإنساني الكارثي، خصوصاً في ضوء توسع الهجوم الإسرائيلي في غـزة».
من الواضح أن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكابها في قطاع غزة منذ 21 شهراً قد بلغت مستويات من الفظائع الوحشية والتجويع الممنهج والإفناء المتعمد للمدنيين في صفوف الرضّع والأطفال والنساء الحوامل وكبار السنّ، لم تعد هذه الدول الموقعة على البيان قادرة على تغطيتها أمام الرأي العام في بلدانها. فالإحصائيات التي تصدر عن هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، وليس عن وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع كما يتذرع الاحتلال، باتت تنطوي على معطيات مروعة وصادمة لا سابق لها في التاريخ البشري، ويستحيل على ضمير حي أن يتقبلها.


فإذا لم يكن البيان، مجرد مسعى في خدمة العلاقات العامة لإسكات الاحتجاجات العارمة التي تعمّ مجتمعات هذه الدول ضد الهمجية الإسرائيلية، فإنه يمكن أيضاً أن يُصنّف في باب الصحوة المتأخرة على كارثة إنسانية مفتوحة وتتواصل منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وحتى إنْ حظي البيان بفضيلة الشك وحسن الظن، فإن غياب دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ينتقص كثيراً من المحتوى الأخلاقي للواجب الجماعي الملقى على عاتق أنظمة تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان، وفي الآن ذاته تغضّ الأبصار عن أبشع الانتهاكات وأشدها شناعة وبربرية.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى