مقالات

الاسلام والديموقراطية.. رؤية في ضوء (الربيع العربي)*.. الجزء الأول..

بقلم الراحل الكبير محمد خليفة/ سوريا

 

خاص موقع “المدارنت” 

[والذين استجابو لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون]

[ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم]

[وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا]

[إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون]

[إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم. إنه كان من المفسدين]… صدق الله العظيم، قرآن كريم.

مدخل

يكتسب الموضوع أهميته من كونه ذا تأثير مباشر وقوي على دول وشعوب كثيرة في العالم، وتأثير غير مباشر على العالم بأسره، وهذا التأثير لا يقتصر على المجالات السياسية , ولكنه يتخطاها للمجالات الأمنية والاقتصادية, ولذا فهو يشغل تفكير الباحثين والساسة في كل مكان شرقا وغربا, ولا سيما مراكز الابحاث الاكاديمية, وعقدت في العقود الثلاثة الأخيرة مؤتمرات لا تحصى لمعالجته عينا, أو بحث جوانب منه, وآخرها مؤتمر بيروت الذي نطمته الامم المتحدة في اواخر ديسمبر 2011 بحضور امينها العام, نظرا للأهمية المضاعفة والاستثنائية التي اكتسبها الموضوع في ضوء الربيع العربي والنتائج (المفاجئة) التي تمخضت عنها الثورات الشعبية إذ أسفرت عن وصول الاسلاميين للسلطة بعد انتخابات حرة جرت في تونس ومصر والمغرب, ويتوقع أن لا تكون ليبيا مختلفة أو متخلفة عنها لاحقا, أو اليمن, وربما سوريا, ناهيكم عن أن الاسلاميين موجودون حاليا كشريك رئيسي في الحكم في العراق ولبنان والاردن والسودان والجزائر واليمن والكويت, إصافة لتركيا وإيران وباكستان وبنجلاديش والسنغال ونيجيريا, وبعض هذه الدول كبرى ونووية.

وقبل أن ننقب في طبقات المفهوم العميقة ونشق طريقنا في مسالكه الوعرة نشير إلى أننا استخدمناه في العنوان درجًا على الشائع في عموم الدراسات, وبخاصة الغربية , مع علمنا أنه تركيب ملتبس, ويثير إيحاءات متعددة تتنافى مع الدقة العلمية المفترضة. إلا أننا قصدنا استعماله بصورته الشائعة بقصد إظهار هذا الالتباس والخلل فيه حيث يوظف أحيانا كثيرة للتشويش عن عمد في المادة الصحافية وسائل الاعلام الغربية , والدولية .

لذلك سأسلك في بحثي هذا منهجًا يقوم على ضبط المصطلحات بدقة أولا, ثم تفكيك المفهوم إلى عناصره وبنياته الأساسية, ثم إعادة تركيبه ثانيا, وبلورة الخطاب في حلته الأخيرة ثالثا وأخيرا.

أولا – الاسلام:

يستعمل هذا المصطلح جزافًا بشكل مضطرب للإشارة إلى ثلاثة مفهومات محتلفة تماما, هي الدين الاسلامي, والفقه أو الفكر الاسلاميان, والمجتمع الاسلامي, أو حتى الدول والشعوب الشرقية التي تتألف شعوبها من مسلمين ومسيحيين ويهود وطوائف أخرى. على سبيل المثال لا الحصر ظهرت كتب كثيرة جدا تحمل عناوين مثل : الاسلام والحداثة, الاسلام والمرأة, الاسلام والعَلمانية, الاسلام والغرب, الاسلام والديمقراطية, الاسلام والماركسية, الاسلام والاشتراكية, الاسلام ونظام الحكم, الاسلام والاقتصاد الحر, الاسلام والعلاقات الدولية, الاسلام والعولمة, الاسلام وأوروبا.. وهلم جرا إلى مئات. وآلاف المؤلفات. ولكن أكثرية هذه المؤلفات لا تتسق عناوينها مع مادتها, وإذا تناولنا على سبيل المثال, كتاب الاسلام والحداثة الذي نشر عام 1985 في باريس لباحثين فرنسيين مهمين وتأملنا عنوانه الذي يجذبنا إلى موضوع شيق, ثم استعرضنا محتوياته لوجدنا بونًا شاسعا بينهما, ففي الداخل سنجد حوارات معمقة مع نحو خمسين كاتبا وشاعرا وروائيا من الدول العربية, بينهم مسيحيون ودروز وشيعة وعلويون , ومعظمهم عَلمانيون وماركسيون ومتغربون, يحشرهما المؤلفان في خانة المسلمين حشرا تعسفيا , وليس بينهم كاتب واحد ذو اتجاه اسلامي بارز, وتدور المحاورات حول التجديد الادبي والفكري في الثقافة العربية المعاصرة, وكان ينبغي اختيار عنوان دقيق للكتاب, لولا أن مثل هذه العناوين تتمتع بإثارة خاصة في الاوساط الغربية. وأكرر المثال بكتاب ثان من السويد للمثقف والكاتب البارز انجمار كارلسون ( الاسلام وأوروبا: صراع أم تعايش؟) الذي صدر في ستوكهولم عام 1994 وأحدث أصداءً قوية وشكل مرجعية لسياسة الحكومة آنذاك تجاه العالمين العربي والاسلامي وظاهرة المهاجرين منهما للسويد, وهو كتاب ممتاز والحق يقال، لكن الخلل يكمن كسابقه في التباين بين العنوان والمحتوى الذي تناول التغيرات الجيوبوليتيكية التي شهدها الشرق الاوسط وآسيا الوسطى اثر انهيار الاتحاد السوفياتي 1991 .. فما علاقة هذه الموضوعات بالاسلام.. ؟, ولماذا يزج بالاسلام فيهما بهذا التبسيط ..؟ والامر تفسه في كتب عديدة عن الاسلام والمرأة حيث يعدنا العنوان بدراسة عن مفهوم الاسلام للقضايا النسوية دينيًا وفقهيًا واجتماعيا بينما المحتوى يعالج وضع المرأة المزري في السعودية أو الصومال أو أفعانستان , دون أن يوضح لنا العلاقة السببية بينهما !.

أما إذا شئنا الدقة وضبط المصطلحات فلا بد ان نميز على الدوام في أي دراسة أو مناقشة وبأقصى درجة من المنهحية العلمية بين المفاهيم الثلاثة التالية:

1 – الاسلام كدين وعقيدة, وهو ما يتضمنه حصرا القرآن الكريم بحسب التفاسير العلمية المتفق على صحتها بين المراجع الاسلامية, والسنة النبوية الشريفة المجمع على صحتها وتواترها قوليا وعمليا.

2 – الفقه والفكر الاسلاميان, وهما مما يتضمنه ويشمله التراث الاسلامي بغثه وثمينه, بثابته ومتحوله, ومحليه وعالميه. إن المجمع عليه بين جميع أئمة المذاهب الرئيسية والفقهاء والمراجع أنه لا عصمة ولا حصانة لأحد من البشر سوى الرسول الكريم [ص] فكل واحد يؤخذ منه ويرد عليه غير الرسول, وهكذا فكل الآراء والمذاهب الفقهية والفتاوى والاجتهادات قابلة للنقد والمخالفة والمراجعة, وغير ملزمة إلا في بعض الحالات, والواقع أن بعضها غاية في القيمة على مر العصور, وبعضها محدود القيمة, وبعضها ضحل, وبعضها محلي مرتبط بظروف محلية ومؤقتة , وبعضها عكس ذلك. المهم الذي يجهله أو يتجاهله الباحثون والناس هو أن ما يسمى الفقه الاسلامي لا يعد من الدين بل هو فكر بشري يسري عليه قانونا النسبية والتقادم, ولا يتحمل الاسلام كدين وزره إن كان جانحا أو متخلفا أو متطرفا، ولا يتحمله سوى من أصدره ومن اتبعه.

3 – تجارب المجتمعات المسلمة عبر التاريخ, وهذه أيضا لا تمثل الاسلام كدين دائما, سواء كانت متحضرة وراقية أو كانت غير ذلك. فهذه التجارب محكومة بقوانين التطور التاريخي ودوراته صعودا وهبوطا. وقد شهد تاريخ المسلمين في القارات الثلاث القديمة حضارات إسلامية زاهية وراقية بما فيها تجارب حكم شوروية وعادلة عظيمة, وشهد مراحل انحطاط وتقهقر, شأنه كشأن تاريخ بقية الامم والدول المسيحية والوثنية والبوذية… إلخ. وغني عن القول إن صعود او انهيار الحضارات والامبراطوريات ظاهرة معقدة تحكمها قوانين كثيرة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية عنيت بدراسات معمقة كثيرة ربما كان أهمها على الاطلاق موسوعة ابن خلدون عن التاريخ, والكتاب الموسوعي عن انهيار الامبراطورية الرومانية للكاتب الانجليزي الفذ.

ثانيًا – الديموقراطية:

تتعدد تعريفات الديمقراطية وتتباين بل وتتضارب, وسنتجاوز تعداد وإيراد الامثلة منها , والبحث في إشكالياتها وتعارضها, ونأخذ منها ما نحتاجه لبحثنا, ونرى باختصار إنها أفضل وأنجح ما توصل إليه الفكر الانساني وتجارب الحضارة المختلفة في مجال تنظيم وإدارة الدول والمجتمعات لنفسها وشؤونها وتطوير إمكاناتها ونموها وتحقيق العدالة والرفاهية, وتندرج في هذا المعنى بطبيعة الحال قواعد ونظم الحكم السياسية. أجل نقول هي الأداة الأفضل مقارنة بالماضي, ولكننا لا نصل إلى ما وصل إليه المفكر الاميركي المعاصر ميشيل فوكوياما في نظريته (نهاية التاريخ) التي رأى إن الديمقراطية هي خاتمة المطاف في سعي البشرية نحو الحكم الفاضل العادل الكامل. وأعتقد أننا لا ينبغي لنا الحجر على المستقبل, فالعقل لا حدود لإبداعه , وحاجات الحياة البشرية تتجدد وتتزايد , وفي رأيي المتواضع ورأي كثيرين من المفكرين إن الديمقراطية بصورتها الحالية ليست بالمثالية كما تنطوي عليه نبوءة فوكوياما, ولا بد من مواصلة البحث دائما عن الاصلح والأكثر ملاءمة ومواءمة بين الحاجيات والأمنيات.

ويعنينا هنا تصويب بعض المفاهيم المغلوطة السائدة في الثقافة العالمية , عن ماضي وحاضر وطبيعة الديمقراطية.

1 _ فهي ليست كما يعتقد ويروج بعض الأوروبيين نتاجا للحضارات الأوروبية , وإنما هي نتاج جهد بشري جماعي تراكم عبر العصور , وثمرة تجارب متنوعة شاركت فيها كل الحضارات القديمة الشرقية والغربية , ومن الافتئات على التاريخ أن يرسم للديمقراطية خط سير يبدأ من أثينا وروما وينتهي في غرب الأطلسي , مرورا بباريس ولندن , ذلك أن حضارات الشرق الأكثر عمقا في الزمن , ولا سيما في بلاد ما بين النهرين ومصر, سبقت حضارات الهللينيين والرومان بأكثر من ألف عام, بما فيها تجارب الحكم الرشيد بواسطة قوانين وتشريعات ومؤسسات متطورة, بل إنه من الثابت أيضا أن حضارات الضفة الشمالية من المتوسط استمدت زيتها من سالفتها في الضفة الجنوبية وخاصة المصرية والآثورية والبابلية والسومرية… إلخ .

2 _ لا بد أن نشير أيضا إلى دور الاسلام والمسلمين علميا وعمليا في الوصول إلى التركيبة غير السحرية للديمقراطية الحالية , ويشهد على ذلك تاريخ حافل وحضارة امتدت أكثر من ألف عام, وما زالت بعض صفحاتها مصدر الهام للديمقراطية الحالية حتى الآن, وبالإمكان مطالعة ما يقوله انجمار كارلسون عن أمله أن يصبح البيت الاوروبي الجديد صورة مماثلة لما كانت عليه الاندلس بيئة للتسامح والتعايش والازدهار بين الاديان والثقافات. وكما نعلم فالتأثير العربي والاسلامي في حضارة اوروبا الحالية ثابت باعتراف مئات المستشرقين المنصفين, وبطبيعة الحال فالتأثير لم يكن محصورا في العلوم بل كان في تجارب الحكم الراقية والتي ظلت معمولا بها في جمهوريات جنوب أوروبا بدون أن تكون مسلمة او فيها مسلمون ولكن لمجرد صلاحيتها والانبهار بها كما ينبهر كثيرون اليوم بالنموذج الأمريكي أو الأوروبي .

3 _ إن بعض التيارات الغربية تطرح الديمقراطية بطرق غير ديمقراطية وخطرة جدا إذ باتت تنشر الديمقراطية وتبشر بها في العالم بنفس اسلوب المبشرين إذ ( يبشرون) بالمسيحية في العالم بطريقة توحي وكأنها ديانة جديدة بل إنهم لا يترددون في وصفها هكذا, ولا يدخرون جهدا في خوض الحروب المدمرة ويقتلون مئات الألوف من أجل نشرها أو (فتح) البلاد المستعصية أمامها, بنفس روحية الفتح والجهاد المقدس التي سادت لأسباب دينية في عصور غابرة, وما تيار المحافظين الجدد الذي ظهر منذ سقوط االشيوعية واستقوى في الولايات المتحدة في عهد جورج بوش 2001 _ 2009, ومثيله في بريطانيا , وهو الذي شن الحرب على العراق بلا مبررات واقعية, وتسبب بمقتل مليون إنسان , وتدمير مقومات حضارة عريقة, وكذلك نظير هذا التيار المسمى ما بعد الليبرالية, أو النيو ليبرالزم… ما هو إلا مثال بارز عنها .

4 _ إن تقييم أهمية الديمقراطية في التاريخ والعالم المعاصر بشكل موضوعي متوازن يقتضينا أن نذكر إلى جانب مزاياها وسجاياها المجيدة خطاياها وحرائمها المروعة. ألم تظهر الديمقراطية الحديثة في حضانة الرأسمالية المتوحشة, وكانت الشقيقة التوأم للاستعمار القديم .. والشقيق الاكبر للامبريالية والاستعمار الحديث ولعمليات نهب الشعوب واستعبادها ؟. ألم تتعايش هذه الديمقراطية الحميدة مع العنصرية والفاشية والنازية والصهيونية.. وتسمح لهذه الموبقات بالاحتماء في ظلالها والاقتتات من خيراتها ونعمها؟. الم تكن مسؤولة عن حروب طاحنة على امتداد الكوكب كله ومصرع أكثر من مائة مليون انسان في القرن العشرين وحده وأنتجت أسلحة الدمار الشامل واستعملتها في هيروشما وناغازاكي , وأبادت شعوبًا بأكملها دفاعا عن مباديء الديمقراطية كما كانت تقول أميركا إبان عدوانها على فيتنام …؟!

5 _ لا بد أن نلاحظ أيضًا أن الديمقراطية على صعيد النظريات والتجارب ليست وصفة طبية واحدة , وليست موديلا واحدا , بل إن تاريخ الديمقراطية المعاصرة أبرز لنا تجارب وتطبيقات متعددة ومتنوعة وغنية كثيرا , تبعا للخصائص المحلية والثقافات والاديان والظروف الاقتصادية والاجتماعية . فالديمقراطية البريطانية العريقة , غير الديمقراطية الهندية , وهذه برأيي أعظم ديمقراطيات العالم المعاصر لعوامل كثيرة لا يتسع المجال لطرحها , والديمقراطية الفرنسية تختلف نوعيا عن الديمقراطية الامريكية , والديمقراطية السويدية غير اليابانية وغير الامريكية .. وهكذا. وفي رأينا فإن التنوع والتعدد دليل قدرة الديمقراطية على التأقلم مع البيئات الوطنية والثقافات المختلفة , ودليل قدرة الثقافات العريقة على اكتساب قيم الحداثة .

6 _ لا بد أن نشير إلى _ ولا نتجاهل بتاتا _ النموذج الديمقراطي الذي طرحته التجارب الاشتراكية او الشيوعية, رغم التحفظات الحادة الآن عليه بعد سقوط اقوى نماذجه في روسيا وشرق أوروبا , ودول اخرى عديدة هنا وهناك . لا بد أن نعترف بأنها تمثل مرحلة خاصة من مراحل السعي الانساني النبيل  للوصول الى معادلة متوازنة بين الحرية السياسية والفكرية من ناحية , والعدالة الاجتماعية من ناحية اخرى.

* ملاحظة: البحث كتب عام 2012 ولم ينشر.
يُنشر بالتعاون مع “موقع “ملتقى العروبيين”. 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى