مقالات
التشريع الإسلامي يحقق العلاقات الإنسانية وانعكاسها على انتاجية الإدارة العامة.. الجزء (1).

خاص “المدارنت”..
تواجه المجتمعات البشرية عامة، تحديات: كبيرة صعبة، قاسية معقدة، إذ المتغيرات تتسارع وتتعاظم، نتيجة ما يحدث من ثورة علمية معرفية متنامية، على جميع الصعد والمستويات الحياتية، خاصة في مجال الاتصال والتواصل عبر علاقات وروابط، ضمن اقنية تقنية علمية عالية الجودة، جراء ما تحمله من تطبيقات وتصنيفات،و عالمية المواصفات، انطلاقا من بيان مؤشرات الأداء، ومؤشرات المناهج التعليمية والبحوث التربوية التوجيهية، إضافة إلى عوامل تحقق الجودة الشاملة، إلى جانب تحقق عملية المساءلة، ضمن معايير علمية ثابتة.
وعليه، فالانطلاق السليم، يوجب تحرير الأفراد، كمواطنين ،من كل ما يقيد مواهبهم وقواهم الفكرية والوجدانية، للانطلاق نحو استخدام أفضل الأساليب العلمية واجودها اتقانا، للحصول على أفضل واحسن ما يمكن فعله في تحقيق انتاجية عالية الجودة، مع ضمان تحقق الشخصية الذاتية، على أساس من ؛ الحرية والعدالة والمساواة.
وعلى هذا الأساس، يقع على عاتق الإدارة العامة (مفهوم الدولة) بالغ الاهتمام على ضرورة تثبيت أسس مفاهيم الوعي، مع استمرار لعملية الاستنهاض وبلورتها ضمن محور التكوين البناء، لشخصية خلّاقة مبدعة، جراء تنفيذ منهج تربوي توجيهي سليم متجدد، يدفع بها (كدولة) إلى سرعة اللحاق بركب كل تطور تقني علمي حضاري. وهكذا تأخذ الإدارة العامة موقعها اللائق على درجات التقدم العالمي.
اي اننا ندعو إلى اعتماد منهج متكامل في الأصول والتفرعات، ثابت الأسس، ويطول جوانب المجالات الحياتية المعاشة، وبلا شك نراه ذلك المنهج الذي ارتقى به المسلمون الأوائل، أعلى درجات الوعي الحضاري الإنساني العالمي، أنه منهج ثابت المعايير في تشريعه العام، كما وأنه يحقق معنى النصوص الشرعية الالهية، عملا وفعلا، من خلال تطبيقاته العملية، وتحقق أبعاد مفهوم العلاقات الإنسانية، في الأفراد والمجتمعات والامم، ومما قدم واعطى،كان في قمة الوعي والإدراك لبناء رسالة الفرد الإنساني في الحياة.
انطلاقا من الفكرة العامة التي جعل الله سبحانه وتعالى، لعباده شرعة ومنهاج ،بعد أن اتم النبي رسالته، لقوله تعالى:” اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا “. المائدة/٣. وإضافة لذلك، فالإنسان كائن اجتماعي، بامتياز، فإنه يميل بطبعه للتعايش مع غيره من بني جنسه، عن طريق بناء جسور من العلاقات التفاعلية الفاعلة، والتي يتوقف نجاحها، على حسن أداءها فيما بينهم، مع التأكيد على ضرورة حفظ الكرامات الفردية، مع ضرورة استقلالية ذواتهم الشخصية، لأن الفرد هو اللبنة الأساسية في البناء الاجتماعي. وهذا حديث الرسول( ص):” المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا”.. إلى جانب أن الكل مسخر لبعضه البعض. لقوله تعالى:
“… لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا”.. الزخرف/32.
التشريع الإسلامي منهج الإنسانية، في شتى صورها، فالاسلام، وباقي الرسالات السماوية، ايضا، يحث الأفراد على التراحم، وحسن المعاملة والمعاشرة، تحقق العدالة والمساواة في التعامل، مع ضرورة تحقق رعاية من هم بحاجة لذلك، التحلي بالحلم والصبر، مع تحقق التعاون والاخاء والاتحاد والتفاهم، في العمل. والإسلام يعني الاستسلام والانصياع التام ، طوعا لخالق عظيم، يحقق
رسالته بكل سلام وامان بين عموم الناس. لقوله تعالى: “… يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً… البقرة/208.
كما ويدعو ايضا، إلى ضرورة أخذ البشرية نحو التقدم الثقافي ،والتطور الحضاري. لأنه المنهج المؤهل لدفع الأفراد تجانس اللقاء والتفاعل الإيجابي فيه، تأثيرا واستجابة، كما ويملك من قوة القوانين والقواعد ما يضمن بناء المجتمعات والأمم على أسس من القيم والفضائل، وكذلك بعيدا عن كل صراع أو صدام.
لا شك، أن التشريع الاسلامي، قد صنع امة، في عمق الحضارات التاريخية العريقة، صابغا اياها، بصبغة انسانية، واضحة المعالم، وتحقيقا لروحية ومعاني علاقاتها الانسانية، مع ذاتها ومع الاخرين.
فما القصد بالعلاقات الإنسانية، وأبعادها في البناء والتكوين؟
العلاقات الإنسانية، قديمة قدم الوجود البشري، إذ أول ظهور لها ،كان مع أول تجمع بشري ضم الذكر والانثى(اي آدم وحواء ). تلك العلاقات قد ظهرت بصورتها الإنسانية الفعالة، صورة حميمية ودّية، عميقة متينة قوية، لقوله تعالى:
[الروم : 21] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.. الروم/21.
ثم تدرجت تطورا، تواكب مراحل تطور البشرية الحضارية، حيث راحت تعاكس وتناقض الروح الاستبدادية، كما وتصارع كل ما يدل على أبعاد مفهوم، الحق للاقوى، ومفهوم الكبير يأكل الصغير …..الخ دون مراعاة لأي قيم انسانية، اذ تلك المفاهيم حولت الأفراد، الذكر والانثى، إلى ضحايا العصر الحديث، بعد ان جردتها من انسانيتها، وحولت قيمها الاخلاقية الى سلع في سوق النخاسة. مع الاشارة الواضحة إلى أن جميع الرسالات السماوية قد حضدت على تحقق مكارم الأخلاق، مع ضرورة حسن التعامل، تحقيقا لعلاقات انسانية طيبة، مفهوما ومبدأ.
يتمحور هدف العلاقات الإنسانية حول محور من الاتصال والتواصل، الواعي الرشيد، بين أفراد المجتمع، وعلى جميع مستويات حياتهم اليومية المختلفة، مع ضرورة تحقق ذلك على مستوى المؤسسات، باختلاف مهاماتها العملية. لأن الوعي والتفاهم يعتبر المصدر الأصيل لتحقق علاقات انسانية متبادلة، وأيضا منتجة. ومن جهة ثانية ،فالوعي الجاد يؤدي حتما إلى عملية تكيّف اجتماعي إيجابي فعّال.اضافة الى تحقق أبعاد الانسجام ، الفكري والعملي، بين الافراد، والمؤسسات، والمجتمعات، والدول، والامم. لذلك وجب على الإدارة العامة( الدولة). تحسين تصورها الذهني في التخطيط، والتنظيم، والتوجيه….. مع بيان انعكاس خدماتها الإنسانية، إلى جانب ضرورة كسب الرأي العام وتاييده، مع ضرورة تحقق الصالح العام.
أن نجاح تلك العلاقات الإنسانية الطيبة العامة، انما تنبع ،بدء من داخل المؤسسات التربوية التوجيهية، انطلاقا من الأسرة إلى المجتمع ،مرورا بالمدرسة، مع وجوب تحققها في مراحلها الأولى، من مراحل التعلم والتعليم.



