مقالات

التـمـــرّد الإيـجـــابـــــي..!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
يقول الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي والروائي الفرنسي، ألبير كامو, الحائز على جائزة نوبل في الأدب في العام 1957م, في كتابه القيّم: “الإنسان المتمرد”, والذي أنصح الجميع بقراءته:
“.. إن التمرد ينشأ عن مشهد إنعدام المنطق أمام وضع جائر مستغلق، ولكن توثبه الأعمى يطالب بالنظام وسط الفوضى وبالوحدة في صميم الزائل المتلاشي, إنه يصرخ يطالب بإلحاح.. يريد ان تتوقف المهزلة، وان يستر أخيرا ما كان يسطر حتى الآن وبلا إنقطاع على صفحة البحر!..
“.. إن حركة التمرد ليست في جوهرها “حركة أنانية” (ولو أنني شخصيا لا أتفق معه في هذا, إذ أنني أرى بأن أيّ فعل يصدر من أي فرد يعتبر فعلا أنانيا ويعبر بالدرجة الأولى عن أنانية الذات الفردية, لكن الإختلاف فقط يكون في نتائج تلك الأنانية من حيث الإيجابية التي تتوافق مع الصالح العام ومن حيث السلبية التي لا تتوافق مع الصالح العام بل تضر به, ومقتنعا بذلك بل مؤمنا به, فكل حركة بالأساس هي حركة أنانية في جوهرها), قد يكون لديها ولا شك مقاصد أنانية ولكننا نتمرد ضد الكذب مثلما نتمرد ضد الاضطهاد, كما ان المتمرد اعتبارا من هذه المقاصد وفي توثبه ألصميمي لا يصون شيئاً لأنه يغامر بكل شيء، لا جرم.., إنه يطالب بالإحترام من أجل ذاته ولكن بمقدار ما يتوحد ذاتيا مع جماعة طبيعية..”.
..”.. ليس التمرد أبدا مطالبة بالحرية التامة.. فهو بالعكس يقاضي الحرية التامة وينكر السلطة المطلقة التي تتيح للمترأس إنتهاك الحدود المحرمة..”.
إن عملية التمرد الإيجابي، وعيا قبل سلوكا، على القدسيات الزائفة والمزيفة… وعلى المفاهيم الخاطئة والمقلوبة (السلبية)، التي شكلت “وعي التخلف المقدس” وشكل وتشكل وفقا لها وعلى أساسها وفي إطارها وفي رعايتها وتحت كنفها ذلك الوعي.. المتحكم بنا والمسيطر علينا والمسير لنا كأمة، أفرادا ونخبا ومكونات مختلفة، والسبب الرئيسي لما نحن فيه.. وعليه.. تعتبر المقدمة الأولى وحجر الأساس لإحداث وبلورة ثورة أخلاقية فكرية تنويرية عبر القيام بعملية تفكيكية-إحلالية تستهدف ذلك الوعي.. بمكوناته المختلفة أولا، تعيدها إلى مسارها الصحيح والسليم والسوي، وتشكل منطلقا جديدا نحو تنوير ذلك الوعي.. وصولا إلى وعي التنوير…
ذلك الوعي, “وعي التخلف المقدس,” الذي أنتج تلك الصورة النمطية السلبية تجاه بعضنا البعض، ثقافة وأفكارا وعقلية ومعتقدات, وكذلك سماتًا وخصائصًا ومظاهرًا, ومن ثم أقوالا وأفعالا وسلوكيات وتصرفات.. إلخ. بما أنتجته تلك الصورة.. ونتج عنها من صراعات عصباوية ضيقة ومقيتة فيما بين المكونات الإجتماعية المختلفة لأمتنا.. بما لذلك الصراع من نتائج كارثية وخيمة عليها…
وبأن القيام بتلك العملية “عملية التمرد الإيجابي” ليست بالأمر السهل والهين، خاصة بما تتطلبه من تمرد على الذات أولا، وعييا نفسانيا وثقافة وعقلية وأفكارا ومعتقدات قبل سلوكيات وتصرفات، وذلك عبر النقد الذاتي نقدا بناء إيجابيا والغوص في عمق اعماق الذات، وبأن التمرد المادي هو اسهل التمردات أما التمرد الوعيي النفساني فهو ليس بالأمر السهل والهين والبسيط..هذا أولا.
ثانيا: إننا كأمة، أفراد ومكونات مختلفة، نملك موروثا وعييا ونفسانيا سلبيا متجذرا عبر قرون طويلة وليس التمرد عليه والخلاص منه والتحرر منه ومن نتائجه وتبعاته بذلك الأمر السهل والهين والبسيط…
إزاء ذلك كله فإنه ليس باستطاعة كل فرد القيام بتلك العملية “عملية التمرد الإيجابي” إنما يجب بأن تتوفر عدة شروط فيمن يقوم بتلك العملية، لعل أبرزها وأهمها الجراءة والشجاعة الكاملة فيه، والإرادة القوية والعزيمة الصلبة والإصرار الذي لا يمل أو يكل أو يتخاذل، والإستعداد لتحمل تبعات ما يقوم به، حتى لو اقتضى ذلك التضحية بالنفس في سبيل ذلك، وكذلك أن يمتلك عقلية نقدية فاعلة، والأهم من كل ذلك الشعور والإحساس, وعيا قبل سلوكا, بالحاجة الماسة والضرورة القصوى والرغبة الجامحة للقيام بذلك…
فالشعور والإحساس بالحاجة الماسة والضرورة القصوى والرغبة الجامحة، وعيا قبل سلوكا، للقيام بأي شيء يولدان الإرادة التي بدورها تولد الحركة المتمثلة بالفعل والعمل ومن ثم الإنجاز…
إن طبيعة الإنسان الفرد والإنسان والمجتمع عموما، تتوجّس وتخاف من أي شيء جديد، مهما كان ذلك الجديد فيه من الأشياء الإيجابية الكثيرة العائدة عليه، وتقف في وجهه مع كل القوى الأخرى التي ترى فيه تهديدا لمصالحها، بخاصة وأنها قد الفت على حياتها التي تحياها، حياة الذل والخنوع والاستكانة والرضوخ وتقبل الأمر الواقع مهما كان سلبيا، بمعنى حياة العبودية سواء كانت طوعية أو قسرية، فما بالها والحال الذي هي فيه وعليه كذلك، بأن يكون ذلك الجديد غير واضح تشوبه الضبابية والغموض في الرؤية والأهداف والغايات، وقبل ذلك فيمن يقومون بذلك.. ولا سيّم أن ذلك الجديد يهدد مقدساتها…! ويمسها بصورة مباشرة كما تعتقد هي ذلك…
فالإنسان عموما وفي طبيعته تهمه مصالحه الخاصة به بغض النظر عن صوابيتها من عدمها…
إننا كأمة نمر في مرحلة مفصلية من تاريخها تهدد كيانها وتنذر بانقراضها، كما يحلو للبعض توهم ذلك والحلم به،..
لذلك وجب على كل فرد من أفرادها العمل على القيام بتلك العملية “عملية التمرد الإيجابي” كل بحسب قدرته وقدراته وامكانياته وبحسب موقعه وصفته، وذلك حتى يكون لنا شرف المساهمة في ذلك، مالم فإن الأجيال القادمة هي من سوف تقوم بذلك ولن يكون لنا الشرف في الإسهام في تلك العملية…
فأمتنا لم تنقرض ولن تنقرض… لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هي تلك السمات والصفات والخصائص التي يجب توفرها في ذلك الإنسان المتمرّد..؟
ومتى يعتبر ذلك التمرّد تمرّدًا إيجابيا؟
بمعنى آخر: ما هي “سيكولوجية” الإنسان المتمرّد إيجابيًا؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى