الخيانة ليست وجهة نظر…!

خاص “المدارنت”
هذه ليست صرخة غضب، ولا خطاب تخوين.. بل كلمة واجبة في ساعة مصيرية. نداء للحق، وتحذير من السقوط في المحظور، حين تصبح الأوطان أمام خيارين: إما الحصانة بالحق، أو الارتهان للعدو.
الفتنة لا تدخل إلا من أبوابنا
حين يفشل الحصن من الداخل، لا إسرائيل ولا غيرها قادرة على تفتيت وطن موحّد، محصّن بحكم رشيد وعدالة حقيقية. هذا ليس شعاراً، بل حقيقة يثبتها التاريخ في كل أمة وعصر. فالأعداء مهما امتلكوا من أدوات التآمر والتخريب، يظلون أعجز من أن يخرقوا حصناً مُشيّداً على أسس الوطنية والعدالة. أما حين يتصدّع الداخل حين ينهار الحكم، وتضعف اللحمة الوطنية، ويصعد المرتزقة وبائعي الأوطان يصبح العدو الخارجي مجرد تفصيل في مشهد الانهيار.
نحن اليوم، لا نواجه فقط عدواً يتربّص على الحدود أو يتسلل عبر الفتن، بل نواجه قبل ذلك خيانة الداخل.. الطابور الخامس الذي كان عبر العصور جزءاً من كل أمة، لكنه في الأمم الحيّة كان دوماً محاصراً منبوذاً، لا يُترك ليصبح ناطقاً باسم الناس ولا واجهة للمشهد الوطني.
ومهما اشتدّت الأزمات، تبقى هناك حدود لا يجوز لأحد أن يتجاوزها، أولها الاستعانة بالعدو. لا يحق، وتحت أيّ ذرائع، أن تطلب العون من عدوّ وطنك، أو عدوّ أمّتك، أو عدوّ قضيتك. فالاستعانة بالعدو خيانة صريحة، لا تبرّرها خلافات، ولا تشرّعها ذرائع، ولا تغسلها حسابات السياسة. هذه قاعدة لا تحتمل المساومة ولا تقبل التلاعب، ومن يتجاوزها، يسقط في هوّة الخيانة التي لا عذر لها ولا غفران.
واليوم، وفي عالمنا العربي عموماً، وسوريا خصوصاً، صار واضحاً أن العدو الخارجي لم يفلح يوماً في شق الصف أو تمزيق الأوطان، إلا حين تهيأت له بيئة داخلية رخوة، أضعفها الاستبداد، وأسقطها غياب الحكم الرشيد، وأفسدها استمراء الطائفية والفساد والتسلّط.
والأخطر من ذلك، أن الخونة والعملاء لم يعودوا مجرّد أدوات خفية، بل تحوّل بعضهم إلى واجهات معلنة لمشاريع الخارج، يتسلّلون إلى مواقع التأثير، ويتصدّرون المشهد بوقاحة، حتى غدا صوتهم حاضراً في الإعلام والسياسة، وكأن الخيانة وجهة نظر، والتاريخ العربي الحديث يفيض بأمثلة أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا أدوات في يد العدو، فكانت نهايتهم الخزي والعار.
في لبنان، أنطوان لحد الذي باع الأرض والشعب للعدو “الإسرائيلي”، لم يجد في نهاية المطاف سوى مصير المنفى واللعنة. في العراق، أحمد الجلبي الذي ارتضى أن يكون بوابة الاحتلال الأميركي، لم يورّث العراق إلا الانقسام والخراب. وفي فلسطين، من تعاملوا مع المحتل، مهما تغيّرت أسماؤهم، عرفهم شعبهم كخونة لا كمحرّرين. الخيانة لا يمحوها الزمن ولا تغسلها المبرّرات.
وقد يندفع بعض المنتفعين أو أدعياء الحماية تحت ستار الخوف على الجماعة أو الدفاع عنها إلى خيار الارتماء في حضن العدو. لكن الخيانة، حتى وإن ارتُكبت باسم جماعة أو تحت شعار الحماية، تبقى خيانة. لا تحوّلها الشعارات إلى شرف، ولا تبرّرها المظلومية، ولا تمنحها الظروف شرعية. والخطر كل الخطر حين ينجرف بعضهم لتوريط بيئته أو جماعته في مشروع غدر، لا يطالهم وحدهم، بل يترك ندبة في ضمير وطنهم. والحق أن الأوطان لا تحميها الشعارات، بل يحميها الشرفاء من كل المكونات، حين يرفضون أن يكونوا أدوات للفتنة أو وقوداً للخراب.

والعدالة ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً نظرياً، بل هي خط الدفاع الأول أمام الفتنة. الدولة العادلة التي تساوي بين مواطنيها وتحفظ حقوقهم جميعاً لا تترك مبرراً لأحد أن يقول: “سأتعاون مع الشيطان لحماية جماعتي”، لأن الدولة الحقيقية هي الحامي، والولاء لها يحصّن الوطن من العصبيات والمليشيات والاستقواء بالخارج. وإن خانت الدولة عدالتها، فالمواجهة تكون مع فسادها واستبدادها في الداخل، لا بالارتماء في حضن العدو. فالمعارك مع الظلم تُخاض داخل الوطن، بالكلمة والموقف والحق المشروع، لا بطعن الوطن في الخاصرة من بوابة الأعداء.
|هذه لحظة فارقة في تاريخ الشعوب: إما أن تنهض لتحاصر هذا الوباء وتمنعه من التمدّد، وإما أن تستسلم لمشروع التفتيت والانهيار. لا شيء يبرّر الصمت أو الحياد. اللحظة لا تحتمل المساومة. كل تبرير هو مشاركة في الجريمة، وكل تهاون هو سهم في قلب الوطن.
في قاموس الخيانة، لا وجود للمبرّرات. من يستقوي بالعدو تحت أي ذريعة، باسم الجماعة أو المصالح أو المظلومية يضع نفسه خارج حدود الوطنية وخارج شرف الانتماء. فالخيانة لا تخففها النوايا، ولا يخفف وطأتها الخوف، ولا تغسلها الحاجة. الخيانة هي الخيانة… لا مبرّر لها، ولا مغفرة عليها، ولا حياد في مواجهتها.
إن العدو أيًّا كان لا يستطيع تمزيق وطن حصين، ولا اختراق مجتمع متماسك، ولا كسر شعب يملك قراره الحر. وحده الداخل حين يضعف، حين يتنازل عن وحدته، حين يساوم على كرامته، يفتح أبواب الوطن للفتنة والخراب.
وهذه ليست لحظة حياد ولا ساعة مساومة.. إما أن نكون في صف الوطن، حصناً في وجه الفتنة ومشروع التمزيق، أو نكون شهود زور على سقوطه. المعركة اليوم تُحسم في الداخل، والكلمة الصادقة والموقف الشجاع هما أول خطوط الدفاع. فلا تتهاونوا… ولا تساوموا… ولا تتركوا لهذا الطاعون ثغرة ينفذ منها.



