مقالات

«الديمقراطية الإبادية»..تفسير أحلام بن غفير!

“المدارنت”
قال وزير «الأمن القومي الإسرائيلي» (الإرهابي الصهيوني) إيتمار بن غفير، أمس الأحد، إنه سيبذل كل ما يستطيع كي يتيح لأسير إسرائيلي سابق أن يشارك بنفسه في إعدام أسرى فلسطينيين، مضيفا أن رؤية عمليات الشنق والإعدام لفلسطيني «تلو الآخر» هي من «أكبر أحلامه».

لم يتفاخر بن غفير، في تصريحه الأخير، بعقوبة الإعدام التي دفع حزبه نحو إقرارها فحسب، بل تحدث أيضا عن سعادته لأن الأسرى الفلسطينيين يعانون، وفي اليوم نفسه كان يتمنى تصعيدا عسكريا جديدا مع لبنان، داعيا إلى «سحقهم في بيروت». بين خطاب الشنق، والاحتفاء بمعاناة السجناء الفلسطينيين، والرغبة في سحق اللبنانيين، يعبّر بن غفير، فعليا، عن البنية السياسية للنظام الإسرائيلي.

تتكامل بنى المؤسسات الإسرائيلية لتقوم بـ»تفسير أحلام» بن غفير وشركاه عمليا، بدءا من اقتراحات الحكومة لمشاريع قوانين يهودية الدولة، وتوسيع الاستيطان، والإعدام، مرورا بتشريع هذه القوانين عبر الكنيست، وتطبيقها عبر القضاء العسكري، والجيش، وأجهزة الأمن، والسجون، فتتابع سياسات التخطيط وقرارات الاستيطان والهدم لإنتاج حياة متفاوتة القيمة يصبح الفلسطينيون فيها موضوعا مشروعا للعقاب الجماعي، والتهجير، والتجويع، والسجن، ونزع الملكية، وصولا إلى التطهير العرقي والإزالة الفيزيائية.

تصل إسرائيل، عبر هذا المسار المتعرّج منذ إنشائها على خلفية الحرب العالمية الثانية، إلى ما يمكن تسميته بـ»الديمقراطية الإبادية» في نظام يجمع بين آليات الانتخاب والبرلمان والمحاكم والصحافة، لكنه موظّف، عبر هذه المؤسسات «الديمقراطية» نفسها، إلى شرعنة استثناء جماعة بشرية كاملة، موجودة على أرضها، من قبل نشوء هذه «الديمقراطية»، فيتم تجريد البشر من الحقوق التي يفترض أن الديمقراطية الغربية قامت على حمايتها.

لا تحتسب الديمقراطية، حسب أدبيات العلوم السياسية، بصندوق الاقتراع، والذي جعلته أنظمة الدكتاتورية مسخرة كبرى. تقاس الديمقراطية بالقانون الذي يفترض أن يسري بالتساوي على جميع من يخضعون لسلطته، فتغدو الأقلية محمية من استبداد الأغلبية. تقاس أيضا بقدرة القضاء على تقييد سلطات السياسيين والعسكريين. قدّمت الحالة الإسرائيلية مسخرة سياسية عالمية جديدة.

أمام الاستيطان الهاجم عليهم، يحاول الفلسطينيون أن يحافظوا على أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم التي يفترض أن يقوم القانون بحمايتها، لكن ما يحصل هو أن المستوطن يحظى بحقوق مدنية ويحاكم أمام محاكم إسرائيلية، فيما يخضع الفلسطيني للمحاكم العسكرية. أما في القدس الشرقية، فتتحول أنظمة الترخيص والتخطيط والهدم إلى أدوات لإعادة هندسة المكان ديموغرافيا وسياسيا. وفي غزة يتخذ العنف شكله الإباديّ المحض: تدمير واسع للبنى التحتية المدنية، وتهجير متكرر، وتجويع، وانهيار لنظم الصحة والتعليم وشروط الحياة نفسها.

تمارس إسرائيل القوة العسكرية الساحقة في غزة، أما في الضفة الغربية فيتم ذلك عبر توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتكريس الفصل القانوني والجغرافي. وفي القدس الشرقية يدفع الفلسطيني إلى هدم بيته بيده، أو إلى مواجهة تكاليف الهدم والغرامات إذا قامت البلدية بالمهمة. أما في السجون فيعاد تعريف المعاناة والحرمان كسياستين إسرائيليتين مشروعتين، إضافة إلى كونهما مصدرا للتباهي بهذه الإنجازات، وإلى المستوى التشريعي، تترجم لغة الانتقام إلى قوانين، فلا يعود السؤال: من تجاوز القانون، بل يصبح القانون نفسه وسيلة لتحديد من يستحق الحماية ومن يمكن إخضاعه لما لا يجوز إخضاع الإسرائيليين اليهود له.

الحقيقة تقال إن هذه «الإنجازات» الإسرائيلية لا تعود إلى بن غفير، وبنيامين نتنياهو، وبتسلئيل سموتريتش وشركائهم في حكومة الإرهاب المعمم، بل هي «تطور طبيعي» لكائن غير طبيعي. روّجت إسرائيل، لعقود، مقولة إنها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، وهي مقولة تجاهلت سؤالا جوهريا: ديمقراطية لمن؟

السلطة التي تعتبر سكان الأرض الأصليين فئة من البشر يمكن إخضاعها للاعتقال الإداري، وتقييد حركتها، ومصادرة أرضها، وهدم منازلها، وإخضاعها لقانون عسكري، لا يمكن ألا «تتطور» تلقائيا لتتحول الإبادة إلى الثقافة السياسية المركزية لدولة إسرائيل «الديمقراطية».

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى