الرابع من آب.. !

خاص”المدارنت”..
حين انطلقت الثورة، في 17 تشرين الأول 2019، حاولت الأحزاب اللبنانيّة ركوب الموجة، مع العلم التام بان شعار الثورة الأساسي، هو: #كلّن_يعني_كلّن! والأحزاب المذكورة شريكة فعليّة في السلطة الفاسدة، وهذا الفساد يرغمهم على السكوت عن الفاعل. مع الإدراك الفعلي بأنّ كسر السكوت يُترجمه كلّ حزب بكيل الاتّهام إلى الأحزاب الأخرى.
وفي الذكرى السنوية الأولى للانفجار الكارثي الذي زلزل بيروت، وأعاد للذاكرة مشهد الحرب الأهليّة اللبنانيّة. وفي التاريخ نفسه (4 آب)، تتسابق الأحزاب اللبنانيّة على تنظيم مسيرات واحتفالات، لا أعلم ما هدفها، سوى إضافة يوم آخر على رزنامة خيباتنا وأحزاننا.
تهرع الأحزاب اللبنانيّة إلى تنظيم مناسبة لتقديم التحية للضحايا والتضامن مع أهاليهم، لإطلاق شعار: كشف القاتل! وكأنّ الشعار الصادق من أحزاب كاذبة، كفيل بالكشف عن المجرم الذي غضّ النظر عن تبييت مواد متفجّرة، كالجمر تحت الرماد. عشيّة أربعة آب، حرصت جهة معيّنة، ولا علم لي من تكون، على وضع نصب تذكاري بمثابة تمثال فنّي.. ولكن للأسف حتّى من الناحية الفنيّة، أستطيع أن أجزم بأن مستواه لا يصل حتّى لدرجة الهواة.
وأقول هذا، مستندًا إلى دراستي الجامعية في الفنون. حيث تم استخدام مادة قطع من الحديد الأسود، وهي مأخوذة من بقايا حديد دمار المرفأ، ليرمز بعبقريّة لبنانيّة إلى طائر الفنيق الذي نهض من تحت الرماد، ليجسّد رجلاً منتصب القامة يحمل “شبه عصفور”، تأكيدًا على فكرة الطائر المزعوم!
مع العلم، أن هذا الطائر، لا يبذل جهدًا لتأمين “حبّة بنادول” لأي مواطن أصيب بالصداع! الصداع الذي سبّبه، أوّلاً: تقاعس السلطة عن كشف المسؤولين عن تخزين نيترات الأمونيوم. والكلّ يعرف من كان مُتبوّءًا السلطة، التي سكتت عن تخزين موادّ مُتفجّرة بين بيوت الناس.
اعتقد أن مارد الرماد، كما أسماه المُصمّم نديم كرم، يُنزل ماءًا من يده، والماء ترمز إلى الحياة. ولكن، هل هي الحياة التي يتخبّط اللبناني المُسلم فيها مع أخيه اللبناني المسيحي، على إيجاد صيدليّة، تشفق عليه وتبيعه حبّة دواء بسعرٍ باهظ؟ أمّ الحياة التي تُرغمه على إطلاق النار للحصول على ليتر بنزين يُوصله إلى عمله وبيته؟ وكأنّ مشهد من مسرحيّة زياد الرحباني: “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، يُعاد تمثيله أمام كاميرات التلفزة الأجنبيّة، فيقول المسيحي للمُسلم، وهما يتعانقا: طول عمرنا أخوة، بس هنّي بدّن يفرّقونا!
عتبي على أهالي الضحايا، إذا ما شاركوا في تقديم كلمة في الاحتفال. وكأن مشاركتهم هي صكّ البراءة للمجرم، الذي ما يزال ينعم بكرسيه، وهو ماضٍ في إطلاق الأكاذيب، لتبدو تبريرًا يعتقونه ممّرًا للهروب من العدالة. كمن يُحدث الضجّة ليلًا، وحين يُسأل يقول: ما عم بيخلّوني أعرف نام! أتمنّى ألا يستثني (القاضي طارق بيطار المُكلّف بالتحقيق بجريمة العصر) أحدًا من السياسيين، الذي يماطل مجلس النواب، بعقد جلسة لرفع الحصانة عنهم.
فرفع الحصانة سيُوقع رؤوسًا كبيرة، بحسب ادعاء النائب حسن فضل الله، الذي بقي تصريحه حبرًا على ورق المجلس!
أصرخ بصوتٍ عالٍ، أنا المواطن اللبناني، المنتمي إلى كلّ لبنان، فولادتي كانت في بيروت، ووالدي من الجنوب، ووالدتي من البقاع، وعشت طفولتي في صيدا، وتعلّمتُ في مدارسها، وكانت دراستي الجامعيّة في جبل لبنان..
كفاكم كذبًا وبكاءًا على قتيل قتلتموه. لا تقتلوا القتيل وتسيرون في جنازته. أن أؤمن باللاعنف وقد أكون ضدّ تعليق المشانق ليشفي غليل أهالي الضحايا، فأنا لا أعرف ما هو الغليل! لكن اللاعنف ليس جُبنًا أو استسلامًا، اللاعنف يمنع ظلم الظالم، ويطالب بشدّة كلّ الطبقة الفاسدة أن تعترف بفعلتها الشنيعة، ثم بمحاسبتهم محاسبة تنصف أهالي الضحايا. ليس الموضوع سهلاً، فجبر الضرر والتعويض يحتاج إلى دولة قانون وعدالة شعب. لن ترتاح أرواح شهداء المرفأ بدولة محسوبيّات ترفع مارد من الرماد، وأتباع يغنّون للزعيم: “هشتكنا وبشتكنا يا ريّس إنت رئيس والنعمة كويّس!!!
الأرواح البريئة ترفرف فوق بيروت، ولن يغمض لها جفن قبل أن ترى المجرمين الحقيقيين زعماء الطوائف، يقبعون في السجون، فيتحقّق شعار الثورة: #كلّن_يعني_كلّن.



