مقالات
السادة.. فقهاء الموروث..!

خاص “المدارنت”..
تحمّل الصائم..
الصوم شاق بتكليفه، لأنه يناقض الفطرة الإنسانية فيما تنزع إليه النفس البشرية، فالصوم امساك عن ذلك، وهذا من البداهة والمسلمات. ومن دون مواربة، فإن الصوم مشروع لدى جميع الملل والشعوب، حتى الوثنية. إذ تكمن غاية التكليف في التقوى، لأن الدين يقود البشر نحو الأمن والأمان عن طريق التقوى في مخافة الله، وليس بالسلاسل والتشدد.
لله حكمته، والناس لا يدركونها كلها بما أنزل (الله) من نصوص تلزم الأخذ بها، طاعة وانصياعا. لا يأتي الإصلاح بتشدد تطبيق الاحكام، ولا الإفراط في العبادات، انما السبيل السوي يكمن في تربية إرادة القلوب، إذ يقتضي الأمر في بعض الحالات (النفس البشرية) وتوجيها معينا خاصا، فالاجدى للانسان ان ينفذ تكاليفه بحرية اعتقاده مما يزيده ايمانا واحتسابا، وينقله إلى الدرجات العلى من الإيمان، بعيدا عن الشك والظن، ولهذا نجد في الصوم أعظم مرب الارادة الحرة.
الإسلام، فطرة الله في خلقه، مقصود في إطلاق العبادة الإلهية: “إياك نعبد واياك نستعين”. تحقيقا لهديته تعالى واتباع صراطه المستقيم، “أن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم”. ال عمران/51 حيث تكمن العبادة (تحققا) كاملة المفاهيم والأبعاد، غير منقوصة، فلا مكان إلى القليل من الغش، أو التزوير، أو الرشوة، أو الاعتداء، تحت اي عنوان او غطاء مقونن كان، — الكل هيك، حُكم القاضي، …الخ.. لكن مسلمات البداهة تظهر أن الحق بيٍن والباطل بيٍن، إلا ما التبس به المعنى أو مدلول لفظي، فإنه بحاجة كفاية اهل العلم والاجتهاد.
نعم ،اننا نستعد لاستقبال شهر رمضان المبارك، وصومه فرض واجب على كل مسلم معافى في صحته ودينه. لقوله تعالى:( أنظر سورة البقرة/ 183– 185) آيات الصوم.
لقد حددت الآية الأولى المحكمة موضوع التكليف، اي الفرض، ثم أتى الفصل والاستثناء في الآية الثانية، ضمن حالتي : المرض والسفر، إذ يمكن تأجيل الصوم إلى ما بعد انقضاء شهر رمضان، وهذا واضح البيان، أما في قوله تعالى: “يطيقونه “وقع التباس في الدلالة والمعنى، فاعظم ما في الموروث يحمل معنى ودلالة (عدم الاستطاعة). وهذا يناقض حقيقة المعنى، إذ من حيث البحث والتدقيق تبين لدينا، واستنادا لبعض المفسرين، ومع تعريف (ابن منظور، في كتابه: لسان العرب) أن الاطاقة—– يطيقونه—- تعني إمكان تحمّل الصيام، مع صعوبة ومشقة، أو لاسباب تمنع فريضة الصوم، لذلك رخّص الله لهم الافطار مع شرط دفع فدية، رغم أنه تعالى عاد ورغّب بخيرية الصيام :” وأن تصوموا خيرا لكم أن كنتم تعلمون”.
هنا سأذكر تعريف (ابن منظور ، ج4– ص–232–233) فيقول:”… ويُجمع ايضا اطواقا. والطوق والاطاقة:(تعني): القدرة على الشيء. والطوق: الطاقة، وقد طاقه طوقا واطاقه اطاقة واطاق عليه. والاسم الطاقة(تعني): وهو في طوقي اي في وسعي. ….قال: والطوق: الطاقة اي أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشبة منه”. إلى جانب هذا، انظر:
— الموسوعة القرآنية الميسرة،صفحة/29
— تفسير الكشاف، الزمخشري، ج1، صفحة/224.
— في ظلال القرآن، سيد قطب، ج1، صفحة/171.
توقفت عما ذُكٍر من نصوص كي لا أطيل.
ولكن حقيقة ما حدث لدى السادة (فقهاء الموروث). أنهم أخذوا بأفكار تفسير اهل السلف، لكلمة( يطيقونه) بالمعنى والمدلول، اي بمعنى عدم القدرة على تحمل الصيام، لذلك وجبت الفدية طعام مسكين، اضف الى ذلك، أخذهم بفكرة أن الآية الثالثة من آيات الصيام ،نسخت الثانية، وهذا يأخذك إلى تشوّش فكري بعيد، بحيث أن الله،جل جلاله، قد وضع آيات لا داع لها. بالرغم من أن ما بينه التعريف والنصوص، يشير إلى أن المعنى لكلمة ( يطيقونه) هو (يتحملونه) وليس العكس، فكيف إذا سنفهم معنى قوله تعالى: “ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به”. البقرة/ 286 ثم كيف تظهر لنا دلالة قوله تعالى: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”. لقد ابوا السادة فقهاء الموروث من أن يتركوا فسحة لأن يُفطر المرء، سوى: المرض والسفر، لأن من لا يستطيع تحمل الصيام، (كالعجوز والمرضعة)، انما يندرج في استثناء المرض، وليس إلى غير ذلك، فكم من عجائز، أو مرضعات، قد صاموا.
من جهة ثانية، ننوٍه إلى أن الفدية تختلف عن الكفارة، إذ تؤدى الفدية لعدم الصيام، إذ به قد يسبب لصاحبه اضرارا، مادية (جسدية) أو معنوية (نفسية)، بينما الكفارة تدفع لذنب اقترف، مثل كفارة الإيمان. لقوله تعالى: “لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين… أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة ايمانكم اذا حلفتم”. المائدة/89
بالتالي، نفهم أن الله تعالى، قد ترك لنا تقدير قدرة تحملنا الصيام ،دون غفلة فرض الصيام، من دون المرور بذلك، فقد نتحمله ببلوغ أقصى الارادة، مع تحقيق الخير في ترجيح الصيام، فهناك عمال المناجم والبناء وأهل القطب وأبناء الصحارى، وغيرهم ممن هم بحاجة لقوة الارادة والتدريب على مستويات أعلى على التحمل، في الأبدان والنفوس، مع قناعة التصميم لنيل الخير اجر ذلك ،والله عليم بما تسرون وتعلنون.
هنا يتضح الافطار مع وجوب الفدية، واطعام مسكين عن كل يوم، كما أننا نتساءل عن الفقير، والله أعلم بحاله، فلربما لا يستطيع الإطعام ولا الصوم؟ فما هو الحكم؟ أضيف تساءل عمن يريد الصيام وهو يعيش بلاد تتفاوت بها الأوقات، بين النهار والليل؟ فإنهم يحيون في لبس وظن، لا يقين للاطمئنان، صياما أو افطارا، مع إظهار عدم توافق الصوم مع تطبيق قوله تعالى: “احل لكم ليلة الرفث إلى نسائكم… وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل”. البقرة/187
ومن صورة (الفدية) ننتلق تعريفا استنادا، لابن منظور، وكتابه: لسان العرب صفحة/ 149–150 فيقول:”… فَديته فِدى وفداء وافتديته. وأنه لَحَسَنَ الفدية والمفادات: إن تدفع رجلا وتأخذ رجلا، والفداء أن تشتريه، فديته بمالي، فداه ودينه بنفسي، وفي التنزيل العزيز: “وأن ياتوكم اسارى تفدوهم… “… تفدوهم فمعناه تشتروهم من العدو وتنقذوهم… وافدى اذا أعطى رجلا واخذ مالا، وفادى اذا أعطى رجلا واخذ رجلا… وقوله تعالى: “وفديناه بذبح عظيم” اي جعلنا الذبح فداء له، وخلصناه به من الذبح… والفدية، والفدى، والفداء، كله بمعنى…”.
وهكذا، فالأمر المستنتج من المعنى ودلالته، انما يكمن في عملية تبادلية، لحالتين متقابلتين، تتم برضاء طرفي التبادل، أخذا وعطاء، وأن لم تتساوى الأجزاء فواجب الفرض التنفيذ، اي الصوم لانعدام أسباب فديه، وتحقيق السلامة فيه. وهذا ما بينه تعالى ،بسورة البقرة /196
” ….فمن كان مريضا او به أذى من رأسه، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك (ذبيحة)… فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجعتم…”.
وهكذا، فالتقصير في تأدية الواجبات لمانع، أوجب فرضا الفدية على قدر الاستطاعة، وبيان الاختيار واضح بين: الصيام، أو الصدقة، أو النسك، والسبب انه تعالى: “يريد بكم اليسرى ولا يريد بكم العسر،” وللبيان نجد أن الإخلال بالأحكام والحدود تلزم القصاص أو العقوبة لاسترجاع فعل الاستقامة، تحقيقا لتسوية الحالة المرضية العارضة في جسم الإنسان ونفسه وروحه.
وفي النهاية، نرى السادة، فقهاء الموروث، قد أدخلوا الاجتهاد ظلمات دهاليز الموت والاحتضار، وخلصوا إلى قمة الجمود والتقليد.
======================



