السودان.. نشر السلاح أم نزعه؟
“المدارنت”
قبل حوالي عامين وفي جلسة جمعتني بمجموعة من الأصدقاء من الإعلاميين العرب في إسطنبول، كان قد طُلب مني أن أشرح ما يدور في السودان. حينها كانت الحرب في شهورها الأولى، مع ذلك، فقد قلت لهم إن موضوع الحرب السودانية لا ينفع معه التلخيص، لأن محاولة الاختصار سوف تدفعنا لترديد مقولات جاهزة لا تعبر بشكل واقعي عن حقيقة الصراع، مثل العبارات التي تصف الحرب بأنها مجرد صراع بين جنرالين، أو حتى بأنها تمرد تقليدي، كأي تمرد تشهده القارة الافريقية.
فهم الحرب في السودان يستلزم تقديم خلفية تاريخية مفصلة، وتحليلا اجتماعيا لتوزيع مراكز القوى في البلد، الذي دخل مرحلة كان عنوانها الأكبر هو التيه السياسي، بعد إسقاط الرئيس السابق عمر البشير في عام 2019. إذا كان هذا هو الحال في بداية الحرب، فإن الأمر الآن أصبح أكثر تعقيداً بكثير، حيث تداخلت في الصراع أطراف عديدة داخلية وخارجية، كل منها يحاول أن يستفيد من الفوضى القائمة، بأن يخرج بأكبر الفوائد السياسية، أو الاقتصادية الممكنة.
للتوضيح والتقريب، فإنه يمكن القول، إن من لا يزال يصف الحرب اليوم بأنها حرب بين جنرالين، أو أنها حرب الجيش، ضد قوات الجنرال محمد حمدان دقلو «حميدتي»، يبدو أشبه بمن كان يلخص الوضع السوري بأنه صراع بين سلطة ومعارضة. بإمكان المرء أن يجد العذر لمن لا يستطيعون استيعاب تفاصيل المشهد السوداني، أو الذين يرون، على أحسن الأحوال، أن ما يحدث هو مجرد «حرب أهلية»، فالظاهر أن ذلك المشهد صعب الفهم حتى لكثير من السودانيين، خاصة من العامة، الذين فقدوا بيوتهم أو مدخراتهم، من دون أن يستوعبوا لماذا حدث ذلك، ولماذا وجدوا أنفسهم ضحية صراع سياسي، على الرغم من أنه لا علاقة لهم بالسلطة.
من مفارقات الحالة السودانية، أنه لا يوجد اتفاق على توصيف الواقع الحالي، فهل نحن في مرحلة إعادة البناء والإعمار؟ أم أننا ما نزال في مرحلة الحرب، التي لم تحسم، والصراع، الذي لم تخمد ناره بعد؟
بالنسبة لمن يغلبون التفاؤل، ويفضلون أن يكتفوا بالنظر للنصف الممتلئ من الكأس، فإن الحرب انتهت وتحرير العاصمة يعبر عن الانتقال من مرحلة التهديد الوشيك إلى منطقة الراحة، التي يخوض فيها الجيش حرباً بالفعل، لكن في هوامش بعيدة. التفاؤل شيء جيد، وقد كان معروفاً عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه كان يحب الفأل الحسن، لكن هناك بلا شك فارق كبير بين هذا، والركون للاطمئنان في بلاد ترقد على براكين متنوعة ومنقسمة بين الخامد والثائر.
ليسمح لي المنشغلون بالاحتفالات في المدن الآمنة، الذين يعدون لمواسم فيها كثير من الرقص والابتهاج، أن أذكرهم بأن خطر الميليشيا ما يزال داهماً، وأن تلك المجموعات المجرمة، ما تزال ترتكب الفظائع ذاتها، التي عرفها المواطنون في الخرطوم وفي ولاية الجزيرة، في مناطق مثل شمال كردفان، التي شهدت قراها مجازر مروعة خلال الأيام الماضية.
ليس هذا فقط، بل إن الميليشيا، التي استطاعت إسقاط «أم صميمة» ما تزال تحاصر مدينة رئيسية من مدن وسط السودان وهي الأبيض، التي تعيش معاناة مستمرة منذ أشهر. صحيح أن الجيش ما لبث أن استعاد «أم صميمة»، إلا أن تلك الاستعادة كان لها ثمن غالٍ، حيث فقدت البلاد إثرها مجموعة مميزة من العسكريين والمتطوعين. هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن ما حدث في «أم صميمة»، لكن بغض النظر عن اختلاف التأويلات، فإن ما يمكن الاتفاق عليه هو أن الميليشيا ما تزال قادرة على التهديد، وأنها لم تفقد بعد القدرة على ارتكاب الجرائم، أو على القيام بأعمال فيها الكثير من التخريب. هذا ما يظهر في مناطق مختلفة من شمال كردفان، وأيضاً في منطقة المثلث الحدودي في الشمال الغربي.

الخلاصة هي، أن لا أحد من المتحمسين لإعادة المواطنين، يستطيع أن يضمن بشكل تام أن ما سيعيدون تعميره سيكون محصناً، وأن المأساة لن تتكرر في القريب. صحيح أن فرضية ذهاب الميليشيا إلى شمال السودان تبدو ضعيفة في الوقت الحالي، إلا أننا يجب أن نتذكر أن ذلك يعود إلى أن مقاتلي «الجنجويد» يعلمون أن عبور الصحراء المكشوفة سيكون مغامرة عالية التكلفة وقد يهدد بخسارتهم على مستوى الأفراد والأرض. في المقابل، فإن هذا التحليل يعني أن هذه الفرضية قد تتحول لاحتمال واقعي، إذا ما تأكد الجنجويد من أن خسارتهم المترتبة على تلك الخطوة، ستكون مقبولة ومناسبة مقارنة بما سيتم تحقيقه من نتائج.
بطريقة أخرى نقول، إن شعور الجنجويد بأن تلك المناطق محمية بواسطة القوات المسلحة، وفي الوقت نفسه بالآلاف من الشباب المسلحين المتدربين على حمل السلاح، والمتحمسين لقتال الغزاة، سيكون العامل الفارق والحاسم، أما إذا ما حدث العكس، واستسلم الجميع لمنطق الراحة مقنعين أنفسهم بأن الخطر زال، وبأن حميدتي صار مجرد اسم من الماضي، فإن ذلك سيشجع المعتدين على التقدم باتجاه مناطق جديدة في جغرافيا الشمال.
هذا الوضع المعقد يقودنا إلى سؤال المقال وهو: هل نحن في مرحلة التوجه للعودة للبلاد وإعادة التعمير، بالتالي فإن المطلوب هو التخلي عن السلاح والعودة للوضع الطبيعي، الذي تحمل فيه القوات المسلحة النظامية وحدها السلاح؟ أم أننا ما نزال في مرحلة الكفاح والدفاع عن النفس، التي تتطلب أن يحمل كل من يقدر سلاحه؟
هذا السؤال أصعب مما يبدو عليه، وما نلاحظه عند المتحدثين في هذا الموضوع، أنهم كثيراً ما يبدون متناقضين حين يتطرقون لهذا الأمر، فتجد أحدهم يدعو إلى حل جميع الميليشيات والقوات الموازية مع دعوته في السياق ذاته الشباب للاستعداد والتدريب. هناك في هذا الصدد عدة وجهات نظر أهمها، التي ترى، أن الحل يكمن في استيعاب أولئك الشباب المتحمسين في الجيش، وهو حل جيد نظرياً، إلا أن المشكلة هي أن أغلب أولئك المتطوعين لا يرون أن الجندية النظامية هي ما سيعينهم على حماية أنفسهم وعائلاتهم من الخطر الداهم، لأسباب من أهمها عدم الرغبة في الانخراط الدائم في السلك العسكري، خاصة أن البيروقراطية العسكرية ليست المقابل الناجع لمكافحة مجموعات الجنجويد، وهو ما أثبتته هذه الحرب، وما ألجأ القادة العسكريين للاستعانة بمجموعات من المستنفرين أو المتطوعين من خارج التركيبة العسكرية.
من جهة أخرى، وفي مقابل وجهة النظر، التي تذهب إلى ضرورة منع المواطنين بشكل عام من حمل السلاح، وهي التي تتبناها مجموعات كتجمع «صمود»، بحجة أن في هذا حماية لأولئك المواطنين، يذهب آخرون إلى ضرورة تمليك السلاح للجميع. الداعون لنشر السلاح يعتبرون أن الآثار الجانبية لهذا، سواء كانت استغلالاً للنفوذ من قبل البعض، أو وقوع هذا العتاد في أيدي غير أمينة أو إجرامية، هي أهون بكثير من أن يترك الناس منزوعي السلاح، في بلد لا يعاني فقط من تهديد ميليشيا متمردة، وإنما من تكاثر العصابات المسلحة، التي لا تستطيع الأجهزة الأمنية وحدها أن تواجهها، أو أن تضمن للمواطنين بشكل كامل سلامتهم فيها. أحداث مثل الهجوم المسلح على قسم شرطة، أو مثل السطو على محال تجارية قد توضح خطورة الموقف.



