مقالات

الصحافة تواجه واقعاً بائساً في العالم العربي؟

“المدارنت”
الصحافة في العالم العربي تعاني واقعاً بالغ البؤس، وهو واقع ربما يكون انعكاساً لجملة من العوامل، التي من بينها ظهور عصر الإنترنت وتراجع أهمية وسائل الإعلام التقليدية، لكن الحقيقة أنها – أي الصحافة – في دولنا العربية تعاني من تدهور ليس له مثيل في العالم، وبكل تأكيد فإنها أفضل حالاً في الدول الغربية والدول المتقدمة.

ثمة فارق واحد ووحيد على الأرجح بين بيئة العمل الصحافي في الدول العربية، وتلك البيئة في الدول الغربية، وهو الحرية ولا شيء غير الحرية، إذ إن العوامل الطبيعية مثل ظهور الإنترنت وتغير المزاج العام، وتحول سلوكيات الناس في البحث عن الأخبار كلها عوامل تنطبق على العالم بأكمله، وليست محصورة في الدول العربية، وعليه فإن إلقاء اللوم على هذه العوامل ليس صحيحاً بالمطلق.

قبل شهور قليلة فقط احتفلت جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية بمرور 138 عاماً على تأسيسها، ورغم كل هذه السنوات بما حملته من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتقنية في العالم، إلا أنها لا تزال تعمل ولا تزال تُطبع يومياً في لندن وعواصم أخرى، ويتم توزيعها وتُحقق الكثير من الأرباح.

جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية، وهي مجرد مثال فقط، تُباع نسختها المطبوعة مقابل 2.5 جنيه استرليني، أي نحو ثلاثة دولارات، كما إن من يرغب بتصفح موقعها الإلكتروني يحتاج إلى اشتراك مدفوع، يُعادل ثمن الصحيفة الورقية المطبوعة تقريباً، ومع ذلك فإنها تجد من يشتريها ويتابعها ويشترك فيها، بينما أهم الصحف العربية تُباع في بلدانها مقابل أثمان زهيدة لا تكاد تُذكر، ومع ذلك لا تجد من يشتريها. جريدة «الأهرام» المصرية تُباع بـ5 جنيهات، أي ما يعادل تسعة سنتات (0.09 دولار أمريكي)، وجريدة «النهار» اللبنانية تُباع مقابل نصف دولار أمريكي، وجريدة «الرأي» الأردنية بـ0.35 دولار أمريكي.

كما إن الكثير من الصحف العربية توزع مجاناً، ومع ذلك لا تجد من يقرأها، بل إن بعض الصحف أصبحت مبيعاتها تصل الى الصفر، بسبب أن الناس انفضوا عنها، فيما تتكبد الصحف العربية عموماً خسائر فادحة سنوياً، وفيما تحوّلت الصحف المملوكة للحكومات إلى ما يُشبه «الثقب الأسود» الذي يبتلع الأموال بلا نهاية، ومن دون أي جدوى.

خلال العام الماضي وحده حققت جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية، إيرادات بلغت 726 مليون دولار أمريكي، بارتفاع نسبته 6% عن العام الذي سبق، أما الأرباح التشغيلية للجريدة، فارتفعت بنسبة 41% وبلغت 42 مليوناً و200 ألف جنيه استرليني. الحال نفسه ينطبق على العديد من الصحف الغربية الأخرى، فجريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تمكنت في عام 2025 من تحقيق إيرادات بلغت 2.82 مليار دولار أمريكي، والغريب أن مليارين من هذا المبلغ جاء من أنشطتها على الإنترنت، أي الاشتراكات والإعلانات الإلكترونية، أما أرباحها الصافية فبلغت 344 مليون دولار.

والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان إذن: لماذا تواصل الصحافة في العالم الغربي تحقيق النجاح والأرباح، بينما تتكبد الصحف في العالم العربي، خسائر متراكمة ومتتالية؟ ولماذا يواجه الصحافيون العرب واقعاً مأساوياً بينما يختلف حالهم عن زملائهم في الدول الأخرى؟ وما الذي يحول دون نجاح وسائل الإعلام في دولنا العربية؟

الجواب البسيط والسريع والمباشر هو «الحرية».. الحرية هي كلمة السرّ في العمل الصحافي والنشاط الإعلامي، إذ إن القوانين في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا تحظر على الدولة أصلاً أن تتدخل في العمل الصحافي ونشاطه، بل إن القوانين في هذه الدول، تحظر أصلاً على الحكومة أن تمتلك أي صحيفة، أو أن تسهم في صحيفة أو قناة تلفزيونية، وذلك لضمان أن لا تقوم باستخدام هذه المؤسسات في الترويج السياسي لنفسها ولأعمالها.

في الدول العربية، ثمة صحف لم تعد تدفع الرواتب لموظفيها، وأخرى أصبح الصحافيون فيها يضطرون للبحث عن وظائف أخرى، والقيام بأعمال لا علاقة لها بمهنتهم، من أجل أن يتمكنوا من العيش. أما الأدهى من ذلك والأنكى والأمر فهو، أن الأجهزة الأمنية في بعض الدول العربية، أصبحت تقوم بما يُشبه «الابتزاز» بحق الصحافيين، حيث تستغل حاجتهم وفقرهم وانعدام استقرارهم المالي، فتقوم باستقطابهم وتحويلهم الى مجرّد «مخبرين» صغار، بدلاً من كونهم صحافيّين كبارًا.. أما النتائج النهائية لذلك، فهي واقع بائس ومترد، تعاني منه الصحافة ويواجهه الصحافيون.

محمد عايش/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى