مقالات

الصيادي يردّ على الكاتب أحمد الدبش*: اليمن لم يحتضن ملوك بني اسرائيل…!

 د. مخلص الصيادي/ الشارقة
خاص “المدارنت”..
… مراجعة للأطروحات التي جعلت بلاد اليمن، مسرحا لتاريخ بني اسرائيل، المراجعة التي تنطوي على الشجاعة العلمية التي قام بها الباحث احمد الدبش، والذي تبنى سابقا الرؤية التي تجعل اليمن جغرافيا لقصة موسى وبني اسرائيل، وقدمها من خلال كتابه: “موسى موسى وفرعون وجزيرة العرب”، الصادر قبل نحو عشرين عاما، والذي دعمه بكتابه “اختطاف اورشليم عام2013.
وقد أدرج مقاله المنشور في عدد صحيفة “الأخبار” اللبنانية، في 25 حزيران، تحت عنوان طويل يعطي تمام الفكرة: “عودة عن خطأ السنوات المبكرة: لم يحتضن اليمن ملوك بني إسرائيل”.
وفي هذه المراجعة النقدية، يعرج على مسألة جوهرية وهي أن القرآن، ليس كتاب تاريخ، وإنما كتاب هداية، وأن القصص القرآني إنما جاء للعبرة، ولأغراض حددها العلماء.
ولا شك، وبشكل قاطع فإن القرآن، بما ذكر من وقائع، وبما قصّ من قصص، لا يقدم رواية تاريخية، وليس تقديم هذه الرواية من وظائف النصّ القرآني، والمقصود هنا أن القرآن لا يعتني فيما يعرض للزمان، ولا للمكان إلا بما يخدم مقصود العرض.
لكن مع هذا التأكيد الحاسم، فإن ما يعرضه القرآن، من قصص وأحداث إنما يعرض وقائع حقيقية، حدثت، ولها شخوصها، وظروفها، وملابساتها، والايمان بوقوعها جزء من الايمان بكتاب الله، لكن تفاصيل ذلك كله ليس من شأن القرآن.
القصص، التي تناولت أنبياء الله حقيقية، ثابتة يقينا، قصص المعارك والقتال، قصص بني اسرائيل، ما خصّ ببعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبحادث الاسراء والمعراج، وهجرته، وتغيير القبلة، وأمثالها، حقيقية لا شك، لكن التدقيق في زمن الحدث وجوانبه هذا يبحثه المؤرخون، وقد فعلوا ذلك، واختلفوا فيه، واستندوا فيما فعلوا للسنة النبوية، ولم يجد كثير منهم حرجا في الرجوع الى ما رواه أهل الكتاب بهذا الشأن، من هنا عرفت “الاسرائيليات، ومراجعة هذه شأن المؤرخين يستعينون على ذلك بكل أدوات البحث ووسائله ونظرياته، التي تتحسن باستمرار وتقدم فرصا للتدقيق لم تكن متاحة من سابق.
للكاتب والباحث الفلسطيني، أحمد الدبش، الشكر على هذه المراجعة، والنقد، قليل من يفعل ذلك، ولا يفعلها إلا من رزق هذا الجانب من صفات العلماء. ولعل الظرف الراهن بما يشهد من هجوم على القضية الفلسطينية كلها. يعطي أهمية خاصة لهذه المراجعة، ثم إنه بفضل هذه المراجعة يدلنا على المزالق والمطبات التي يمكن أن تقود البحث إلى قراءات خاطئة لبعض الدلائل التي تتوفر للباحثين إزاء قضية ما.

 

نصّ مقالة الكاتب أحمد الدبش
عودة عن خطأ السنوات المبكرة
لم يحتضن اليمن ملوك بني إسرائيل
 … قبل عشرين عاماً تقريباً، أصدرت كتابي «موسى وفرعون في جزيرة العرب»، أردت في كتابي هذا، إثبات أن المسرح الجغرافي للكتاب المقدس في اليمن، بالقول: إن «خروج قوم التوراة ظل حتى وقت قريب حبيس الأسطرة، بيد أن ثمة إشارات غامضة في الكثير من النقوش تدعم، وإلى حد بعيد فرضية حدوث هذا الحدث (خروج قوم التوراة)، وسوف ينصبّ بحثنا على إدراج حادثة الخروج ضمن جغرافية الحضارة اليمنية القديمة، والتي كانت تشمل عُمان واليمن الحالي وبعض السواحل السعودية». وحاولت في كتابي «كنعان وملوك بني إسرائيل في جزيرة العرب»، الذي صدر في عام 2005، تتبُّع ملوك بني إسرائيل، والبحث عن أورشليم، والبحث عن دولتَيْ إسرائيل ويهوذا، في إطار الجغرافيا اليمنية. وقدمت في كتابي «اختطاف أورشليم»، الذي صدر في عام 2013 الدليل على أن أورشليم يمنية، ويُعتبر هذا الكتاب استكمالاً لكتابي «كنعان وملوك بني إسرائيل في جزيرة العرب». وأكدت في كتابي «بحثاً عن النبي إبراهيم»، الذي صدر في عام 2015، أن المسرح التاريخي والجغرافي للنبي إبراهيم كان في اليمن.
استندت لإثبات أطروحتي هذه إلى العديد من الركائز:
أولاً: الأبحاث الأثرية التي مسحت مصر وفلسطين والعراق، منذ عشرات السنين، والتي لم تعثر على أقل أثر يؤكد الأحداث التوراتية في هذه المناطق.
ثانياً: المصادر التاريخية العربية القديمة.
من أهمها:
– أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، ( 310 هـ / 923 م ).
– الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، الملقب بـ «لسان اليمن» ( 280 هــ / 892 م إلى 360 هـ / 970 م ). ومن أهم مصادره التي اعتمدنا عليها، كتاب «صفة جزيرة العرب»، وكتب «الإكليل».
– نشوان بن سعيد الحميريّ (عاش في القرن الثّاني عشر الميلادي)، في كتابه «قصيدة نشوان الحميريّ وشرحها، ملوك حمير وأقيال اليمن».
– جمال الدين أبو الفتح يوسف بن يعقوب أبي محمد ابن المجاور الشيباني الدمشقي (أحد مؤرخي القرن الثالث عشر للميلاد)، في كتابه «صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز المسماة تاريخ المستبصر».
ثالثاً: المصادر الدينية.
– القرآن الكريم.
– الكتاب المقدس.
رابعاً: من الناحية اللغوية.
فقد اعتمدنا على مصدرين رئيسين هما:-
– أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، صاحب «لسان العرب».
– محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، صاحب «مختار الصحاح».
خامساً: النقوش المسندية.
لقد اعتمدنا على بعض الإشارات الغامضة في النقوش المسندية المتأخرة، والتي لم تكن متزامنة مع أحداث الكتاب المقدس، لمحاولة تأكيد فرضية «خيالية»!
لا شك في أن علامات التسرع والارتباك ظاهرة في نصوص كتبي المبكرة، لأني ألّفتها وقتها متأثراً بـ «خطأ تحديد جغرافية الحدث التوراتي»، فكيف لي كباحث في التاريخ القديم، أعتمد «الكتاب المقدس»، كوثيقة تاريخية، وأقر أن المشكلة تكمن، وبكل بساطة، في خطأ تحديد جغرافية الأحداث؟ كيف لي كباحث في التاريخ القديم، رفض إسقاط روايات «الكتاب المقدس» على فلسطين لانعدام الدليل الأثري، وفي ذات الوقت أخترع جغرافية بديلة دون دليل أثري؟!
لقد احتوى بنائي التاريخي لنقل مسرح روايات «الكتاب المقدس» إلى اليمن، إذاً، على أخطاء هائلة. وهذا يعني بالطبع الاعتراف بأن أطروحتي ليست، أكثر من وهم، لا سند علمياً لها. فـ «الكتاب المقدس، بوصفِهِ نصاً مقدَّساً، لا يُوفِّر مصدراً تاريخياً، ولا يعكس بالضرورة، حقيقة عن الماضي». و«صورة ماضي إسرائيل، كما وردت في معظم فصول الكتاب العبري، ليست إلا قصة خيالية، أي تلفيقاً للتاريخ».
وفي الواقع لم يحدد القرآن الكريم، الأماكن الجغرافية، ولا الأزمنة التاريخية، التي عاش في رحابها «بني إسرائيل». في هذا السياق يقول د. محمد أحمد خلف الله، في أطروحته «الفن القصصي في القرآن» ما يلي: «المعاني التاريخية ليست من مقاصد القرآن في شيء ومن هنا أهمل القرآن مقوّمات التاريخ من زمان ومكان وترتيب الأحداث. إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. ومعنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معانٍ تاريخية لا تُعتبر جزءاً من الدين أو عنصراً من عناصره المكوّنة له. ومعنى هذا أيضاً أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده. حين وصل العقل الإسلامي إلى هذه المرحلة من التفكير كان قد وصل إلى حيز كثير، ذلك لأنه كان قد قطع شوطاً طويلاً في سبيل تحرُّر العقل الإسلامي من هذا المذهب التاريخي في فهم القصص القرآني. وكان قد وصل إلى القضاء على القصد التاريخي والقضاء على هذا القصد قد جلب للعقلية الإسلامية الفوائد التالية: (1) التحرُّر من الإسرائيليات والتخلُّص من كثير من هذه الفروض النظرية. (2) توجيه الذهن البشري إلى ما هو المقصود من القَصص القرآني من المواعظ».
هنا يلفت انتباهنا ما جاء في «تفسير المنار، الجزء الأول»، للشيخين محمد عبده ورشيد رضا: «إن القصص جاء في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين. وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضارّ لأجل الموعظة والاعتبار».
هكذا، وبعد سنوات طويلة من العمل الجاد في مجال البحث التاريخي، تبين لي خطأ هذه الأطروحة، وسقوطها أمام الأدلة العلمية، فلم يكن اليمن المسرح الجغرافي لإبراهيم، ولم يشهد خروج موسى وجماعته، ولم يتم تدمير مدنه على يد يوشع بن نون، ولم تحتضن الجغرافية اليمنية أياً من ملوك بني إسرائيل، ولا يوجد دليل أثري يشير صراحةً، أو ضمنياً، إلى وجودِ المملكة الداوديَّة ـ السليمانيَّة، ولم تذكر النقوش اليمنية أحداث «الكتاب المقدس»، ولا توجد نقوش متزامنة مع الأحداث «المُتخيلة» التي وردت في «الكتاب المقدس».
ثمّة حقيقة مهمة، تكمُن في أنّ قرناً من البحوث الأثريّة المكثَّفَة؛ لم يتمكن من تقديم البُرهان على أن أحداث «الكتاب المقدس»، وقعت سواء في فلسطين أو في خارجها، وأي ادعاء بغير ذلك غير صحيح على الإطلاق وتزوير للحقائق.
ولا يقتصر الأمر هنا على الجانب التاريخي فحسب، بل أساساً على الجانب السياسي الراهن بامتياز.
وأخيراً، أختم بما قاله أبو علاء المعري:
فَذاكَ أَوانُ تَخضَرُّ الرَّوابي
لِناظِرِها وَتَبيَضُّ الوِذارُ.
أَيُلقى العُذرُ أَم أَبَتِ الخَطايا
قَديماً أَن يَكونَ لَكِ اِعتِذارُ.
* كاتِب وباحِث فلسطيني
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى