العراق واعترافات الطرف الثالث!
“المدارنت”
في سياق حركة الاحتجاج التي انطلقت في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وعمليات القتل المنهجية التي استهدفت المحتجين، والتي وثقتها الفيديوهات والصور (بلغ عدد الضحايا الرسمي أكثر من 500، وعدد الجرحى أكثر من 20 ألفا)، قال وزير الدفاع في حكومة عادل عبد المهدي في لقاء صحافي يوم 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أن «هناك طرفا ثالثا يقوم بقتل المتظاهرين»! وأضاف أن «العتاد الذي تم استخدامه لإطلاق النار على المتظاهرين لم تستورده أي جهة عراقية». وكان واضحا للجميع أنها محاولة ساذجة من الحكومة العراقية لإخلاء مسؤوليتها عن عمليات القتل المنهجي للمتظاهرين، ولكنها تتضمن اتهاما ضمنيا للميليشيات الإيرانية!
في يوم 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ، أي بعد يومين فقط من اندلاع التظاهرات، نشرت مقالا في صحيفة «القدس العربي» تحدثت عن «العنف المفرط الذي استخدمته القوات الأمنية ضد المحتجين، وسقوط ضحايا مدنيين جراء استخدام الرصاص الحي، وإطلاق قنابل الغاز بشكل مستقيم باتجاه المحتجين بنية القتل»!
وفي مقالة ثانية في يوم 10 تشرين الثاني/ أكتوبر 2019 نشرت مقالا ثانيا تحدثت فيه عن «دخول الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران على خط المواجهة مع المتظاهرين، دفاعا عن السلطة والموقع»، وعن «خط النار» الذي فتح على المتظاهرين، والذي تثبت الوثائق المصورة أنه كان كثيفا بطريقة لا يمكن أن تشهدها إلا في ساحة حرب حقيقية! أو من خلال اللجوء إلى استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع كأداة للقتل، من خلال إطلاقها بطريقة أفقية وليس بطريقة القوس! أو عبر استخدام القناصين لاستهداف رؤوس وصدور المتظاهرين بنية القتل! وقد استنتجت من ذلك أن ثمة «قرارا مركزيا أصدرته جهة تمتلك صلاحية اتخاذ هكذا قرار وتنفيذه»!
بموازاة هذا القتل المنهجي، الذي شاركت فيه القوات العسكرية والأمنية، جنبا إلى جنب مع الميليشيات الإيرانية في العراق، كانت ثمة تصريحات كاذبة يطلقها المسؤولون العراقيون بكل سلاسة! فرئيس الجمهورية يومها برهم صالح خرج بعد أسبوع من هذا القتل المنهجي ليخبرنا بكل ثقة أن استهداف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي «لم يأت بقرار من الدولة وأجهزتها، وعليه، فإن من يقوم بهذا الفعل مجرمون وخارجون عن القانون»! ولكنه يعود لاحقا ليناقض نفسه فيطالب بفتح «تحقيق قضائي»، وإلى «أخذ إجراءات وقرارات جادة لتحديد آليات مواجهة هذا النوع من الاحتجاجات، ومنع الاندفاع إلى استخدام القوة المفرطة على أساس قواعد الاشتباك ومكافحة الشغب»، وأن على الجهات المختصة «محاسبة المسؤولين عن إراقة الدم العراقي»!
أما رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، فقد تحدث في كلمة متلفزة يوم 9 تشرين الأول/ اكتوبر بكل ثقة أنه أصدر «تعليمات مشددة بعدم استخدام الرصاص الحي، ولكنه رغم ذلك، سقط عدد كبير من المتظاهرين». وأكد أيضا على أن القوات الأمنية «قامت بواجبها»! ولكنه يعود ليناقض نفسه ليتحدث عن «إجراء تحقيقات أصولية شفافة، لتكريم الأبطال والمضحين، ومحاسبة المقصرين ممن لم يلتزموا بالأوامر وقواعد الاشتباك»، على الرغم من أن الوثائق المصورة، والشهادات، وأعداد القتلى والجرحى، كانت تثبت بأن ما يجري لم يكن مجرد فعلا فرديا، بل كانت فعلا منهجيا!
يومها كتبت في “القدس العربي”، أنه يبدو جليا أن لا أحد في العراق يمتلك الشجاعة « للاعتراف بأن استخدام العنف المفرط، والقوة المميتة، تجاه محتجين عزل، قد قامت به قوات رسمية، وبأوامر رسمية. فالوثائق المصورة تثبت بأن القوات العسكرية والأمنية كانت تطلق النار بشكل مفرط على المحتجين، ووصل العنف إلى القيام بعمليات إعدام ميدانية»! ولكن الأخطر أن لا أحد منهم يمتلك الجرأة على الاعتراف بأن ثمة ميليشيات «هي التي أدارت عمليات الرد على المتظاهرين؛ فالوثائق المصورة والشهادات، تثبت أن ثمة أشخاصا ملثمين، كانوا يقومون بعمليات قنص بهدف القتل، وكانوا يستهدفون بشكل مباشر المحتجين بغرض التصفية، وأن هذه القوات مغطاة رسميا لكنها لا تتبع أوامر السلطات الرسمية للدولة! وهي هنا تدافع عما تراه «حقا مقدسا» لا يجوز التفريط فيه»!
في سياق هذا القتل المنهجي، والكذب المنهجي، شكل عادل عبد المهدي لجنة تحقيق وزارية «التحقيق عن كيفية سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والمصابين في محافظة بغداد والمحافظات الأخرى»، التي أعلنت نتائجها «المتوقعة» بعد ثلاثة أسابيع من بداية حركة الاحتجاج. ولكنها لم تستطع أن تقنع أحدا بأن سقوط «149» ضحية بإصابات مباشرة في الرأس والصدر، و”4207″ جريحا من بين المحتجين.
حتى تلك اللحظة، كان مجرد «حادث عرضي»! وأنه «لم تصدر أية أوامر رسمية من المراجع العليا إلى القوات الأمنية بإطلاق النار تجاه المتظاهرين أو استخدام الرصاص الحي مطلقا»، وأن كل هذا العدد الكبير من الضحايا والجرحى كان بسبب ضعف القيادة والسيطرة، وعدم وجود ضبط نار، ومجرد «إجراءات فردية من قبل المنتسبين»! وكان الأمر اللافت في هذا التقرير/ المهزلة هو «خوف» لجنة التحقيق الوزارية من إيراد أي إشارة إلى دور الميليشيات في عمليات القتل المنهجي هذه!
بعد خمسة أسابيع من بداية الاحتجاجات، نشرت مقالا قلت فيه إن من الواضح «الدولة/ السلطة مستعدة تماما للذهاب إلى خيار المواجهة، من دون أي اعتبار لفاتورة الدم الثقيلة المحتملة، خاصة مع كل أعداد الضحايا والجرحى الذين سقطوا حتى اللحظة والتي تكشف صلافة ملفتة واستهتارا حقيقيا!».
وأوضحت كيف أن السلطة القضائية نفسها قد دخلت لدعم السلطة/ الدولة في موقفها المعادي من المحتجين، وكيف أنها أعطت لنفسها الحق، بدون سند دستوري أو قانوني، وفي انتهاك صريح لالتزامات العراق الدولية، بتجريم الاعتصامات، والإضرابات، وقطع الطرق، ومحاصرة المؤسسات الحكومية، مع أنها كلها وسائل سلمية لجأ إليها المحتجون لزيادة الضغط على الدولة/ السلطة.
فتوعدت فيه المحتجين السلميين بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب ضدهم، ومنحت «السلطات المختصة» صلاحية إلقاء القبض من دون قرار قضائي، قافزة على نص دستوري صريح لا يجيز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرار قضائي. ولكن البيان كان حريصا على عدم الإشارة إلى عمليات الإعدام الميدانية، وعمليات القنص، وفلق الجماجم عبر استخدام القنابل المسيلة للدموع كأدوات للقتل، واختطاف الناشطين أو اغتيالهم!
لهذا كله لم يكن ثمة جديد في اعتراف هادي العامري، زعيم منظمة بدر التي شكلتها إيران، وكانت جزء من تشكيلات الحرس الثوري الإيراني، بأن «فصائل المقاومة»، ويقصد بها الميليشيات الإيرانية في العراق، هي التي قتلت المحتجين للقضاء على «الفتنة»، فهذه المعلومة يعرفها الجميع في العراق، ويعرفون أن ثمة غرفة عمليات بإدارة أبو مهدي المهندس كانت هي المسؤولة عن عمليات القتل المنهحي هذه!
لهذا لم يكن ما قاله العامري اعترافا، بل تهديدا مبطنا بأن هذه الميليشيات الإيرانية ستعتمد آلة القتل نفسها إذا ما فكر أحدهم بالقيام بحركة احتجاج ثانية. وتأكيدا على أن إيران والفاعلين السياسيين الشيعة لن يسمحوا بنزع سلاح تلك الميليشيات، لأنه الضامن الوحيد لتكريس الحاكمية الشيعية، واستمرار هيمنتهم على السلطة والدولة في العراق واحتكار قرارها. وثمة مؤشرات عديدة على أن السيد السيستاني نفسه قد اقتنع، أو أُقنع، بهذه الفكرة في النهاية، وهو التفسير الوحيد لصمته تجاه هذه المسألة!



