العرب في “إسرائيل” اندمجوا أكثر من اللازم!
“المدارنت”
تسعة عشر نائباً (19) عدد يفتح الشهية حتى لدى العنصريين أو الأقل عنصرية.
يعدّونهم حين يبحثون عن أغلبية، ثم يخرجونهم من الحساب حين يتحدثون عن شرعية الأغلبية نفسها، بكل بساطة يصفهم نتنياهو وأبواقه الإعلامية ومن مختلف القنوات وعلى رأسها القناة 14 بأنهم داعمون للإرهاب، والإرهاب كلمة صارت منذ زمن بعيد مبتذلة في إسرائيل.
الهدف هو نزع شرعية الصوت العربي ما لم يكن موجّها بصورة مباشرة إلى أحزاب صهيونية. في المعارضة يريدون منهم أن يرجّحوا كفة الميزان، ولكن من غير لمس لهذا الميزان المصاب بحساسية مفرطة.
المواطن العربي في إسرائيل «مثل الثوم مكول ومذموم».
الطبيب منهم يعمل ست عشرة ساعة متواصلة في استقبال الطوارئ في المستشفى، والصيدلي يقف في الصيدلية يُعد الدواء، وقبل الشروق يسعى العامل إلى ورشة البناء أو شق شارع، ويعد الطعام والشراب في المطعم والمؤسسة وينقل الطلاب المسافرين في حافلات إلى مدارسهم، ثم يتأففون من حضوره ولغته وهويته، بل يعتدون عليه لفظياً وجسدياً في كثير من الحالات. على العربي أن يسمع البذاءات العنصرية، وأن يبتسم ويواصل تقديم الخدمة كأنه نتاج ذكاء صنعي بلا مشاعر.
عليه أن يسمع هنا وهناك هتاف «الموت للعرب»، وأن يصفه أحدهم بالمخرب، ثم أن يشكر من يتحمّلون مجرّد وجوده. يشعرونه بالخجل إذا ما قام بعمل إنساني عادي، إذا أنقذ يهودياً من غرق على شاطئ، أو تعرض لنوبة قلبية مفاجئة فعرف كيف يتعامل مع الحالة وأنقذه، حينئذ يمدحونه، ولكن بصورة إهانة للأمة من المحيط إلى الخليج وما بعدها «ليس جميعهم من مؤيدي قتلة حماس» ليس جميعهم مخربين» «هناك طيبون منهم خسارة أنهم عرب».
تسعة عشر مقعداً أوصلهم حوالي 840 ألف صوت يمثلون حوالي مليوني مواطن أشعرت العرب بقوّتهم، وأن أصواتهم يمكن أن تفعل شيئاً يحد من غلواء العنصرية وسعار الفاشية التي وصل نباحها نوافذ بيوتهم، ولكنهم ومن تجاربهم السابقة يعرفون أن هناك من سعى ويسعى لنزع الشرعية عنهم.
اليهودي يدخل في حساب الأغلبية أو الأقلية فوراً، أما العربي فعليه اجتياز فحص أمني واختبار في حسن السلوك، وهنا يبحثون عن ماضيه فيجدون خطاباً له يطالب فيه بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، أو أنه يرفض الاعتراف بيهودية الدولة ويتمادى ويطالب بدولة مدنية لجميع المواطنين، أو أنه فقد إنسانيته وزار أحد الجرحى أو الأسرى الفلسطينيين في يوم ما، أو ظهر اسمه في قائمة متبرعين لجمعية تساعد الأسر المنكوبة، أو أنه وصف الاحتلال بأنه متوحش وفاشي ويجب محاكمته.
أما اليهودي في القائمة العربية فهو خائن وبائع لنفسه وكاره لها. منذ عقود وهم يدعون أن العربي لا يريد الاندماج في مؤسسات الدولة، الآن المشكلة أنه اندمج أكثر مما ينبغي، وأنه أخذ الكلام عن الديمقراطية على محمل الجد، وأن صوته حق مشروع ويساوي صوت اليهودي. طيلة عقود برروا نسبة التصويت المنخفضة في معظم الجولات السابقة إلى عدم اعتراف هؤلاء الممتنعين ببرلمان الدولة، ولكن عندما تصل نسبة التصويت إلى أكثر من ثمانين في المئة يصبح هذا الاندماج خطراً على الديمقراطية وعلى دولة اليهود، بل وشبّه بعضهم نتيجة التصويت العربي الأخيرة بهجوم السابع من أكتوبر.
العنصرية والفاشية الصارخة والتفنن في نزع إنسانية العربي صارت الوقود الرخيص للسياسيين التافهين ولأبواق الإعلام في مختلف القنوات والصحف والمواقع الإسرائيلية، فالحذق هو من يجد له طريقة مستحدثة للتحريض ونزع الإنسانية عن العربي، باستثناء قلة باتت نادرة تدعو إلى تعامل منصف مع العربي، بوصفه مواطناً متساوي الحقوق مثل غيره.
المبالغات في الخيال العنصري مثيرة للتقزز، بل مضحكة في سخافتها خصوصاً على قناة 14، بل تستغرب كيف يمكن البوح بهذا إلى جمهور عاقل، مع تجاوزات قانونية حتى على القانون الإسرائيلي نفسه.
فحسب الفاشيين أن الطبيب الذي يقضي سنوات في الدراسة والتخصص، لأجل ماذا؟ إنه تمويه من أجل الانقضاض على اليهود في اللحظة المناسبة، وذلك بتوجيه من جهات معادية!
الصيدلي العربي يشرح للمريض تناول أقراص ثلاث مرات في اليوم ويكتب على العلبة ويسأله عن الحساسية، ويحذره من الجمع بين نوعي دواء، وهذا مثير للشبهات، «هل حقاً يحرص على صحته إلى هذا الحد؟».
سائق الشاحنة ينقل الخضار والإسمنت، ويخشى مخالفة سير تبتلع ربح يومه. لكن الخيال التحريضي المريض يزعم أنه ينتظر أمراً من جهة معادية كي يتدهور مع الحافلة وركابها إلى واد سحيق.
إذا أبطأ فهو يريد عرقلة السير في شارع رئيس كي يسبب انسدادات مرورية، والتسبب بخسائر ملايين الشواقل للدولة، وإن أسرع فهو غير مسؤول ولديه نوايا إجرامية، وإذا تحدث في الهاتف بالعربية فهو يُعد لتنفيذ خطة خطيرة، عليه أن يتحدث بالعبرية كي نفهم ما الذي يقوله.
إذا قرر السفر بالطائرة، سبقته الشبهة إلى المطار. يُسأل عن وجهته وعمله ومن حزم حقيبته، وهل تركها وحدها. وعند العودة تبدأ الجولة مجدداً فلعل الرجل عاد وفي رأسه أفكار لم تكن موجودة فيه عند الإقلاع. على متن الطائرة تتبعه العيون إذا مد يده إلى جيبه يريد منديلا، وإذا نهض إلى المرحاض، وإذا بقي جالساً من غير حركة، وإذا تبادل إيماءة مع راكب آخر. الممرضة العربية تحمل الحقنة وتقترب بابتسامة لتحقن المريضة التي تتألم، ولكنها تقصد أن توجعها أكثر، وإذا لم توجعها فهي تخفي شيئاً وتتظاهر باللطف لسبب ما.
في ملعب كرة القدم، يضيّع اللاعب العربي هدفاً كي يمنع فوز فريقه الإسرائيلي، فهو لا يؤتمن على أن يكون في قلب الهجوم، أما في الدفاع فهو سيفكر بدهاء كيف سيسمح للفريق الخصم بالفوز على فريقه. طبعا هناك أصوات وليست قليلة نسبياً تستحق الاحترام تعترض على هذه الحملة المسعورة الممنهجة، وكان آخرها مظاهرة في تل أبيب مساء السبت الماضي رفعت شعارات نعم للشراكة لدحر اليمين الفاشي، وإلا فلن يكون تغييراً.

هذه الشيطنة لم تبق داخلية في البلاد، فلها فروع في مواقع كثيرة، منها ميشيغان وذلك لشيطنة عبد الرحمن السّيد فهو يوصف بالعداء لإسرائيل، ووصفه بعد فوزه في عضوية مجلس الشيوخ بـ»الرمز والسيد المعادي لإسرائيل أصبح أول سيناتور مسلم». ولم ينج عمدة نيويورك زهران ممداني من تهمة اللاسامية، ودعم الإرهاب، ولا رشيدة طليب وطالتها تهمة بأنها مرتبطة بإيران، كذلك النائبة إلهان عمر طالتها ادعاءات عن صِلات بقطر، ونقل معلومات إلى إيران، وحتى ألكساندريا أوكاسيو كورتيز النائبة الديمقراطية، وصفها ترامب بأنها معادية لإسرائيل وكارهة لليهود، لأنها تحدثت عن جرائم حرب ترتكب في قطاع غزة.
الإيطالية فرانشيسكا البانيزي المقررة الأممية الخاصة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، واجهت اتهامات بمعاداة السامية ودعم الإرهاب.
حتى لاعبو كرة قدم وفرق رياضية وجماهيرها لم ينجوا من ادعاء دعم الإرهاب إذا ما أبدوا تعاطفاً مع شعب فلسطين.
بعد الجولة الانتخابية الأخيرة للكنيست تقف علاقة دولة إسرائيل بمواطنيها العرب الفلسطينيين على مفترق طرق مفصلي، إما الاعتراف بشرعية مقاعدهم وحقهم في التأثير مع احتفاظهم بهويتهم القومية ومواقفهم، وإما تعميق شعورهم بأن المشاركة مسموحة بشرط منعهم من التأثير وإبقائهم ديكوراً للديمقراطية.
قد تسعى حكومات مقبلة من شتى الأطياف إلى تحجيم قوتهم الانتخابية، من خلال سن قوانين تتعلق بمن هو صاحب حق الاقتراع ومن ثم التأثير؟ خصوصاً في الجانب الذي يتعلق بالخدمة العسكرية، أو تحديد سقف عدد النواب العرب الذين يسمح لهم بالوصول إلى الكنيست «حفاظاً على يهودية الدولة». في الماضي مارسوا عنصريتهم بحجة عدم رغبة العرب بالاندماج، واليوم يغلقون الأبواب في وجوه العرب لأنهم اندمجوا ولكن أكثر من اللازم.



