مقالات

السعودية هي الخطر!

“المدارنت”
‏يذكر الفيلسوف الأمريكي بيرنارد لويس في مذكراته بعنوان: “هوامش على قرن مضى: خواطر مؤرخ مهتم بالشرق الأوسط” أنه في خريف عام 2006 م، تلقى دعوة من الزعيم الليبي (الراحل) معمر القذافي لزيارة ليبيا، والنزول ضيفًا عليه للتحدث في “موضوع خاص”.
يشير لويس إلى أنه كان في حيرة من أمره، حيال الدعوة، وهدف القذافي من ورائها، لولا أن طمأنه المنظمون للزيارة إلى أنه لا يوجد سبب للقلق، الأمر الذي دفعه لقبول دعوة الزيارة، ولقاء العقيد القذافي.

ذكر لويس أن اللقاء تم بينه والقذافي، ولا ثالث لهما إلا المترجم، حين جاءت المفاجأة التي أوردها لويس، بقوله إن القذافي جلبه، ليبلغه رسالة لنقلها إلى واشنطن، وهذه الرسالة تدور حول المملكة العربية السعودية، وخطرها على الأمن الدولي، ونشرها للأصولية الإسلامية، ووقوفها وراء التنظيمات الإرهابية، وأنها وراء جميع مشكلات الغرب والأمريكيين، وهي التي تبث عداوة الغرب لدى المسلمين.

تفاجأ لويس بالقذافي يقول: “‏أنتم جميعًا قلقون بشأن إيران، كأنها الخطر الرئيسي على العالم. أنتم مخطئون تمامًا، إيران ليست ذات أهمية، ولا تشكل خطرًا حقيقيًا. إن الخطر الحقيقي، ومصدر جميع مشكلاتكم، ومصدر كل الإرهاب، وكل العنف الراديكالي، هو المملكة العربية السعودية”.
يقول لويس إن الزعيم الليبي واصل حديثه قائلاً: إن السعوديين: “هم الذين يمولون القاعدة وسائر الحركات الإرهابية ويدربونها، وهم الذين يحاولون تحريض العالم الإسلامي بأسره ضدكم”، وإن السعودية تكرّس الوهابية التي هي “الشكل المتطرف والعنيف من الإسلام”، قبل أن يختم القذافي حديثه الذي امتد لمدة ساعتين بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة أن تشتري النفط من ليبيا لا من السعودية، وهو الذي عبر عنه القذافي بحديثه عن “مصدر طاقة بديل” للولايات المتحدة.

لاحقاً – حسب لويس – استضافه عبد الله السنوسي الذي كان رئيس الاستخبارات العسكرية الليبية، والذي تربطه علاقة عائلية مع القذافي، حيث ذكر لويس أن السنوسي أكد على مضمون الرسالة ذاتها التي حمَّلها إياه القذافي، لنقلها لواشنطن، والتي كانت محور الزيارة والهدف الأساسي من ورائها الذي يتلخص في عبارة موجزة “مكمن الخطر في السعودية وليس في إيران”.
توضح لنا هذه الأسطر مدى الفارق الكبير بين ما يُطرح في القاعات المغلقة، وما تُخاطَب به الجماهير، حيث بدا القذافي يستجدي عودة العلاقات مع الولايات المتحدة، وقبولها لشراء النفط الليبي، بدلاً من السعودي، وهو الذي لم يكن يكف عن مهاجمة “الرجعية العربية التي تزود قوى الاستعمار بالنفط العربي”.

كان القذافي لا يترك مناسبة للمناكفة مع السعودية والتقرب من إيران، من دون أن يوظفها، وكان من ضمن ذلك الدعوة إلى إحياء “الدولة الفاطمية”، التي كان بين الحين والآخر ينادي بعودتها، كلما اندلع خلاف سياسي مع السعودية، حيث تُستدعى “إيران الخمينية” التي وقف القذافي معها، ضد العراق البعثي حينها، في مناكفة ساذجة، تستدعي التاريخ الطائفي، وتحاول إسقاطه على الواقع المعاصر.

هذه النظرة السلبية للسعودية في الخطابين السياسي والإعلامي هي ذاتها النظرة التي تجعل نظاماً ثيوقراطياً بالمعنى الحرفي للكلمة، كالنظام الإيراني، تجعله ضمن أنظمة التقدم والتحرر في العالم، مع أنه نظام يقوم على نظرية سياسية ترى أن الحاكم الفعلي للدولة رجل “غاب في سرداب”، قبل أكثر من ألف ومائة سنة، وأن الحاكم الإيراني المعاصر، ما هو إلا نائب لهذا الحاكم الافتراضي “المسردب” الذي سيخرج مع اقتراب نهاية العالم، ليتسلم الراية من المرشد الإيراني الأعلى، في واحدة من أغرب تطبيقات “الثيوقراطية الدينية”، في العالم.

إنه “الهوس الأيديولوجي”، من جهة، والغيرة من نجاح النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السعودية والخليج، وهو نموذج ناجح، بسبب وجيه، كون الأنظمة الحاكمة هناك لا تختلف عن طبيعة مجتمعاتها، ولأنها لم تستورد النظريات السياسية التي حاولت الأنظمة الثورية تطبيقها على مجتمعاتنا العربية، دون أن تتيح لهذه المجتمعات فرصة التحول الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذاتي والتلقائي الذي كان يمكن أن يعد امتداداً طبيعياً للتحولات الحضارية التي تحدث داخل المجتمعات، وتواكب تطلعاتها، ولا تنفصل عن جذورها، ولا تغير عباءاتها.


هذا النموذج السائد اليوم لدى دول الخليج العربي هو الذي جعل أنظمتها مستقرة، مقارنة بغيرها، رغم محاولات البعض إرجاع حالة الاستقرار إلى الوفرة الاقتصادية، لدى دول الخليج، متجاهلين حقيقة أن هذه الوفرة موجودة لدى دول نفطية كثيرة حول العالم، ولكنها لم تجلب لها الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي المأمول. ولو كانت الوفرة النفطية هي السبب وراء استقرار دول الخليج لكان نظام القذافي لا يزال يحكم ليبيا إلى اليوم، لكن ما يطيل عمر الأنظمة والدول أمر له علاقة بأشياء كثيرة، في مقدمتها التراضي بين الحاكم والمحكوم، ضمن “عقد اجتماعي”، سواء جاء هذا العقد على هيئة نظام جمهوري، أو حكم ملكي.

هذا العقد الاجتماعي الملموس في دول الخليج هو أهم عوامل استقرار الأنظمة، وهو العامل الذي لا تريد بعض التوجهات الاعتراف به، لأنها لا تريد إخراج تلك الدول عن النظرة الأيديولوجية التي رسمتها له فترة الستينيات، رغم تعاقب السنوات وتوالي الأحداث، وتبدل الظروف، وهي النظرة التي أضيف لها – اليوم – بعد طائفي أو متأثر بالطائفية التي استطاعت الدعاية الإيرانية تمويهها بشعارات ويافطات متعددة، حيث تؤول معظم روافد النظرة السلبية للسعودية والخليج إلى منبعين كبيرين: الأول “الدعاية الأيديولوجية” التي ضخت الكثير من الصور النمطية عن “الرجعية العربية”، والثاني هو “الطائفية الإيرانية” التي استطاعت التدثر بشعارات المقاومة، كي تكسب إلى صفها قطاعات واسعة من العرب الذين لم يدركوا بعد أبعاد المشروع القومي لنظام طهران الذي لا يرى قيامه إلا على أنقاض آمال وتطلعات شعوب المنطقة العربية. ومن لم يتعلم مما فعلته إيران في لبنان والعراق وسوريا واليمن، فعليه أن يذاكر دروس التاريخ جيداً، علَّه ينجح في امتحان العقل والضمير.

محمد جميح/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى