“هآرتس” العبرية: الإرهاب اليهودي يتجاوز الخط الأخضر!
“المدارنت”
في ربيع العام 1922 كتب آرنست همنغواي، الصحافي الشاب، تقريراً عن مؤتمر سلام دولي تم عقده في جنوا بإيطاليا، وعن فرق الاغتيال التابعة للحركة الفاشية التي طاردت الشيوعيين وكل من يشتبه بانتمائه لليسار في شوارعها.
لم يكن الفاشيون معروفين جيداً لقراء صحيفة “تورنتو ستار” في حينه، لذلك، أوضح همنغواي أن أعضاء فرق الاغتيال كانوا جنوداً مسرحين نظموا أنفسهم لقمع انتفاضة شيوعية. وقد فعلوا ذلك “بالقنابل والبنادق والسكاكين، والاستخدام المفرط للكاز، ما أدى إلى إشعال النار في أماكن اجتماعات الشيوعيين”، ومن فيها. كتب همنغواي أنهم تصرفوا تحت رعاية الحكومة أو بدعم منها، بل وقمعوا التمرد، و”ذاقوا مرارة القتل خارج القانون، وحق الشغب متى وفي أي مكان أرادوا”. سمح لهم بالتمرد ونشبت حرب عصابات صغيرة في مدن إيطاليا.
بعد مرور ستة أشهر على نشر المقال، نظمت مجموعات الصاعقة الفاشية، وهم يرتدون القمصان السوداء، مسيرة نحو روما بهدف الاستيلاء على الحكم. ولمنع حرب أهلية عين ملك إيطاليا زعيمهم بنيتو موسوليني كرئيس للوزراء، رغم أن حزبه كان أقلية ضئيلة في البرلمان. والعواقب العنيفة والمأساوية معروفة جيدًا.
أتأمل كلمات همنغواي بين كل الوثائق عن الأحداث في الأراضي الفلسطينية والرحلات الميدانية والاحتكاك مع نشطاء “الوجود الحامي”. حتى يوم هادئ في الحقول الفلسطينية يدل على اختلال ميزان القوة. في صباح أحد الأيام، خرجت مع نشطاء رافقوا عائلة مزارعين من تل أبيب للعمل في كرمهم. منحدر أخضر وعلى التلة بؤرة استيطانية. لمدة 15 دقيقة، قطف أبناء العائلة والنشطاء ورق العنف، بعد ذلك وصل عدد من الجنود، أصدر القائد، برتبة ملازم، أمراً بإغلاق المنطقة.
العائلة والنشطاء امتثلوا ونزلوا إلى الطريق. بعد ذلك ظهر جندي آخر لم يكن برتبة عسكرية، ولكنه كان يرتدي سواراً كتب عليه “العودة إلى غوش قطيف”. وعرف نفسه بأنه جندي من قوات الدفاع المدني، وأعلن عن احتجاز المجموعة كلها. بعد ساعة ونصف، تم إطلاق سراح الجميع، لحسن الحظ بدون اعتقالات.
رداً على أسئلتي، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأن أمر الإغلاق صدر بسبب “الاحتكاك”، لكن لم يكن هناك أي احتكاك. يبدو أن سكان البؤرة الاستيطانية أبلغوا الجيش عن وجود المزارعين، فقام الجيش الإسرائيلي بطردهم من أراضيهم. وحسب المتحدث، لم يكن الجندي من قوات الدفاع المدني هو المسؤول عن الحادثة. ولكن المتحدث لم يكن موجوداً هناك، وسارت الأمور على الأرض مثلما وصفتها.
في الواقع أقيمت هذه البؤرة الاستيطانية، مثل غيرها، لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، ويساعد الجيش الإسرائيلي، الذي يفترض أن “يدافع” عن المستوطنين، في تحقيق هذا الهدف.
ويتصاعد مستوى العنف باستمرار. لم تتضح حتى الآن ملابسات أحداث الأسبوع الماضي في قرية تل التي أدت إلى قتل إسرائيليين اثنين وأربعة فلسطينيين. ولكن من الواضح أنها كانت حلقة أخرى في سلسلة مواجهات مخطط لها في الأشهر الأخيرة، بعضها انتهى بإشعال نار متعمد، بل حتى بقتل.
رداً على حادثة تل، أصدر رئيس نتنياهو، ووزير الدفاع، كاتس، تعليمات للجيش الإسرائيلي بتسريع “شرعنة وضع المزارع وإقامة مزارع جديدة”. الرسالة الموجهة إلى سكان البؤرة الاستيطانية هي: أفعالكم مرحب بها. ومثلما قال همنغواي، فإن لكم الحق في الشغب متى وفي أي مكان أردتم. لقد ظهرت حركة عنيفة تخدم سياسة الحكومة، وأصبح الخط الفاصل بينها وبين الجيش الإسرائيلي غامضاً، لا سيما مع ظاهرة التجنيد واسعة النطاق للمستوطنين في وحدات الدفاع المدني “هغمار”.
المقارنات التاريخية غير دقيقة، ودروس الماضي غامضة. مع ذلك، يتضح من مقال همنغواي والأحداث التالية أن حركة سياسية مسلحة ومتطرفة تشكل خطراً على النظام الديمقراطي.
حتى الآن تتركز موجة العنف الحالية في المناطق المحتلة، بعيداً عن انظار معظم الإسرائيليين. ولكن مع احتمالية خسارة اليمين للحكم، يلوح في الأفق خطر حقيقي يتمثل في عبور الإرهاب اليهودي الخط الأخضر إلى الداخل – قبل الانتخابات من أجل عرقلتها، وبعد ذلك منع تشكيل حكومة بديلة. قد تعلن شخصيات عامة معروفة عن “انقسام في الشعب” لا يمكن إصلاحه الا بتشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها نتنياهو واليمين المسيحاني. يسهل تخيل أن الرئيس إسحق هيرتسوغ، المحب للتسويات مع نتنياهو، سيدعم ذلك. ولكن في حالة تشكيل مثل هذه الحكومة، ستبقى البؤر الاستيطانية وقوانين الانقلاب سارية المفعول، وسيستمر التدهور نحو الفاشية.
في السيناريو المأمول لتشكيل حكومة بديلة، ستكون مهمتها الأولى تفكيك البؤر الاستيطانية. وهنا أيضاً يكمن خطر كبير. فمعارضة سكان البؤر الاستيطانية للإخلاء قد تكون أكثر عنفاً من معارضة إخلاء المستوطنات من قطاع غزة قبل 21 سنة، وقد يكون الرفض داخل الجيش الإسرائيلي أوسع. على المعارضة الليبرالية الاستعداد لمواجهة هذه التحديات، وإلا فقد نكرر التاريخ المأساوي.



