مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. أبعاد الحرب “العالمية” على حلب.. الجزء (16)

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

 خاص “المدارنت”..

 

الثوار يقاتلون روسيا وايران والاسد وداعش والكورد 

(حرب حلب العالمية) عنوان واقعي دقيق لما يجري على أرض المدينة الكبيرة التي تعتبر العمود الفقرى لما يعرف مجازا بالمدن والمناطق المحررة أو الخارجة على سلطة نظام الاسد منذ اربع سنوات. فقد قفزت مجددا أنباء القتال فيها الى صدارة الانباء العالمية في الاسبوعين الأخيرين على وقع تقدم قوات النظام وحلفائه للمرة الأولى  منذ تحرير الثوار لأجزائها الشرقية في تموز/ يوليو 2012, وتمكنها من اغلاق منافذها وحدودها مع العالم عبر تركيا واتجاهها لفرض حصار كامل يمكن أن يكون تكرارا لحصارات سابقة على حمص وغوطة دمشق وأدت لهلاك سكانها جوعا, قبل أن يضطروا للاستسلام تحت عنوان (المصالحات الوطنية)!

وتحفل الأخبار والانباء والتسريبات الرائجة عن تطورات حلب العسكرية سيناريوهات عديدة تصل عند نظام الأسد  وحلفائه الى نجاح سيناريو الحسم العسكري بديلا عن مسار الحل السياسي عبر جنيف, وتصل عند الثوار الى تحرير الاجزاء الغربية من المدينة التي ما زالت خاضعة لسلطة النظام .

تجري هذه التطورات في ظل مواقف دولية ضعيفة ورخوة تشي بالرضوخ والتراجع أمام ارادة المحور الثلاثي: الروسي – الايراني – الاسدي , وفي وقت يتسم العالم السياسي كله مستغرقا في اجازته السنوية, أو منشغلا بشؤونه الداخلية. فما هي أبعاد حرب حلب..؟  وما خلفياتها وأهدافها.؟ وما سيناريوهاتها واحتمالاتها المنتظرة..؟

جولة في مصارعة رومانية حرة !

الهجوم الجديد على حلب ليس جديدا ولا مفاجئا, بل جولة جديد في مصارعة رومانية حرة مستمرة منذ سنتين ونيف بلا توقف , وتحديدا منذ افشل الاسد مؤتمر جنيف 2 في مطلع 2014 وطرحه الحسم العسكري بديلا عن الحل السياسي. ويمكننا وضع قائمة طويلة بهجمات كبيرة ومميزة تشكل جولات متتالية في معركة استعادة حلب وكسر شوكتها بناء على تقدير موقف جيوبوليتيكي مفاده أن حلب هي العمود الفقري للثورة السورية وباستعادتها ستنهار الثورة وتصبح المناطق المحررة مجرد جزر معزولة في ريف حماة او ريف دمشق أو أجزاء من حوران.. إلخ, في ابريل الماضي شنت قوات المحور هجوما مماثلا, وتكرر في بداية مايو حيث مني الايرانيون بخسارة جسيمة, وفي بداية فبراير كانت الحملة الكبرى للقوات الروسية التي سببت نزوح مليون حلبي ومقتل عشرات الالوف والسيطرة على مناطق كثيرة من ريف حلب الشمالي والشرقي, وفي العام الماضي كان السيناريو نفسه يتكرر باستمرار وينتهي بهزيمة المهاجمين: قوات الاسد والتحالف الشيعي الخارجي بقيادة ايران . التطور الجديد هذه المرة الذي اضفى اثارة عليه هو نجاح المهاجمين بفرض الحصار البري على منافذ حلب وخطوط تموينها المدني والعسكري. وهو تطور ما كان له أن يتحقق لولا الآلة الحربية الروسية الجبارة التي تشن مئات الغارات كل يوم على اهداف مدنية بحتة , أغلبها قرى غير محصنة, وتستعمل اسلحة محرمة,  وتستهدف تدمير كل أسس الحياة كالمشافي ومراكز الدم, ومحطات الوقود, ومخازن الغذاء, ولولا التغطية السياسية لهذه الجرائم دوليا.

 تبع هذا الاجرام غير المسبوق حملة دعاية مكثفة شنتها محطات النظام وحلفائه لإيهام العالم بأن “انتصارها” هو نهاية الثورة والمعارضة المسلحة, وبداية عودة المدينة إلى (حضن النظام) بعد أربع سنوات من خروجها عن سلطته. وذهبت الدعاية إلى ما يمكن اعتباره مجلس عزاء للضحية قبل قتلها فعلا, أو كمحاولة بيع فرو الدب قبل اصطياده!

 ولكي تحقق الحملة الدعائية أغراضها عمد مخططوها الى رفع مستوى المشاركين فيها:

– وزعت طائرات النظام على سكان الاحياء والمناطق الشرقية المحررة من حلب مناشير تعلمهم كيف يستسلمون ويخرجون من المدينة عبر معابر مخصصة. وقامت برمي رزمات غذائية تأكيدا لمشاعر الرحمة والانسانية تجاههم وإغرائهم بالانتقال الى أحضانه مع أن السوريين اختبروا مئات المرات رحمة نظامهم ويعرفونها جيدا !

 – أصدر رئيس النظام مرسوما يمنح العفو لكل مقاتل حمل السلاح ضد الدولة إذا سلم نفسه وسلاحه للسلطة خلال ثلاثة شهور .

– دعت قيادة جيش الاسد المسلحين لاغتنام الفرصة وتسوية أوضاعهم بعد الاستسلام, كما حثت السكان في الاجزاء المحررة من حلب على عدم اضاعة الفرصة و(الانضمام الى المصالحات الوطنية).

– أما وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو فكان دوره أكثر أهمية لأنه قدم نفسه للعالم كقائد أعلى لهذه الحرب في مؤتمر صحافي عقده للاعلان عن “أوكازيون” لا سابق له (عملية انسانية واسعة النطاق في حلب) اعتبارا من (الاربعاء 27 يوليو) لإنقاذ (المدنيين المحتجزين كرهائن لدى الارهابيين) وقال إنه بأمر من الرئيس بوتين تقرر فتح ثلاثة ممرات انسانية بالتنسيق مع قوات الحكومة, وتنظيم عملية خروج المدنيين و(المقاتلين الراغبين في الاستسلام)!

وذكر أن ممرا رابعا سيفتح على طريق الكاستيلو ليسمح “بمرور المقاتلين المسلحين بشكل آمن”، مؤكدا ان “الامر لا يتعلق سوى “بضمان أمن سكان حلب”.

وأوضح شويغو: “دعونا مرات عدة اطراف المعارضة الى وقف اطلاق النار، لكن المقاتلين انتهكوا الهدنة كل مرة وقصفوا مناطق مأهولة، وهاجموا مواقع القوات الحكومية”. أضاف: “نتيجة ذلك أصبح الوضع في مدينة حلب ومحيطها صعبا” مشيرا الى أن مساعدة انسانية وطبية ستقدم في الممرات الانسانية.

– بعد المؤتمر الصحافي لشويغو بساعات أعلن محافظ حلب اجراءات تنفيذية للقرار الروسي وحدد مواقع الممرات الثلاثة وادعى أنها جاهزة لاستقبال المدنيين ومزودة بجميع الخدمات الطبية والاغاثية اللازمة لايوائهم.

العملية اذن ليست سورية بل روسية يرعاها بوتين شخصيا لا الأسد, خصوصا وأنه لم يسبق لهذا وقواته أن أظهروا مشاعر انسانية في التعامل مع المدنيين أو المقاتلين, حتى وإن كان كل هذا الذي أعلنه شويغو بلسان رئيسه مجرد كذب وتضليل يضافان الى سيناريوهات دعائية بدأت مع التدخل العسكري هدفها تغليف جرائم الحرب التي يقترفونها بغلاف سياسي وانساني وتبييض وجوههم وسمعة جيشهم أمام العالم الذي كشف حقيقة اهدافهم الاجرامية في سوريا منذ بداية التدخل العسكري قبل عشرة شهور.

– وزير الخارجية الأمريكية جون كيري رد مشككا بالعروض الانسانية, وحذر من وقف تعاون بلاده مع روسيا إذا ثبت كذبها.

– أما وزيرا خارجية فرنسا وبريطانيا فأصدرا بيانا مشتركا وطالبا الاسد وحلفاءه بوقف فوري للحصار “الكارثي” على حلب. وقالا بعد لقائهما في باريس إن “حصار المدينة التي يوجد فيها 300 الف شخص، يجعل من المتعذر استئناف مفاوضات السلام” ووجها دعوة لوقف “العمليات فورا”. ورفض الناطق باسم خارجية فرنسيا اجبار السكان المدنيين على مغادرة المدينة اصلا  وذكر الروس بأنه محرم في القانون الدولي فضلا عن أنه غير مجد, واكد على حماية المدنيين واحترام حقهم بالبقاء في بيوتهم.

– أما المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا فدعا روسيا الى ترك الاشراف على الممرات واجلاء المدنيين للامم المتحدة لأنه من اختصاصها, فرد عليه مندوب روسيا في الامم المتحدة واعدا بدراسة الطلب!

– واختصر وزير الخارجية الالمانية فرانك شتاينمار اللعبة كلها بوصفها بأنها (لعبة ساخرة) يقوم النظام فيها وحلفاؤه بخلق المأساة عمدا ثم يدعون أنهم يقدمون حلا انسانيا!

العنصر المشترك في كل هذه المواقف هو توافقها على أن (اسطورة حلب المحررة) توشك أن تنتهي ولم يبق لسكانها وثوارها سوى الاستسلام, أو مواجهة مصير الاعدام الجماعي على أيدي القوات العسكرية لا سيما وأن هذه التطورات رافقتها تسريبات داخلية وخارجية عن نية الحلف الثلاثي اقتحام حلب وتطهيرها من سكانها, وذهبت الى وجود خطة ايرانية – اسدية, كانت روسيا  تعارضها بسبب التزاماتها مع أمريكا ثم عادت للموافقة عليها والمشاركة بها.

والسؤال هنا هل هذه الخطة ممكنة..؟ وهل نجاحات الاسد تبرر كل هذه الزفة الاحتفالية..؟

محصلة  تحولات استراتيجية

حصار حلب واستعادتها لسلطة النظام لم يغب عن بال النظام لأنه يعرف أن حلب هي العمود الفقري للثورة والمناطق المحررة من الغرب للشرق ومن الشمال للجنوب, وبدأ القتال لاستعادتها فعليا منذ ربيع 2014 بعد الافشال المتعمد لمؤتمر جنيف 2, وقد ترافق ذلك مع ترويجه لنظرية الحسم العسكري بديلا عن الحل السياسي, ولأن الأمر على هذا النحو فمن الطبيعي أن تتبوأ حلب رأس أولوياته.

 ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف المعارك حول حلب, فهي لا تهدأ إلا لتشتعل بشكل أقوى, وشكلت القوات الايرانية وجماعاتها الشيعية العراقية والافغانية فضلا عن اللبنانية وبعض الجماعات الفلسطينية المحلية الخزان البشري لجميع هذه المعارك, واتسم حجم ودور قوات الاسد بالمحدودية حتى اكتسبت حرب حلب عموما طابعا ايرانيا. وتحولت الى كر وفر, وحرب مواقع برية في الجنوب والشرق, وحرب جوية في الشمال, وحربا من النوعين في الغرب, حيث أثبت الثوار قدرتهم على هزيمة اعدائهم وايقاع خسائر فادحة بهم.

 وتجدر الاشارة الى أن القتال للسيطرة على حلب ترافق مع التطورات الاستراتيجية التالية خلال سنتين:

الاول – ظهور قوات تنظيم الدولة – داعش في حلب خلال 2013 بطريقة مفاجئة وممارساتها التي جعلت الفصائل الوطنية على الاتحاد لطردها وتحرير حلب من شرورها , وكانت أول مدينة تتحرر منهم بعد احتلالهم لها. وتؤكد مصادر الثوار والمعارضة أن داعش كانت (حصان طروادة) استعمله النظام والايرانيون لاختراق حلب بدليل تبادل الدعم الميداني والتواطؤ بينهما ضد الثوار في اغلب المعارك, ولا زال الامر على هذا النحو, وتتقاسم قوات الطرفين مناطق حلب الشرقية بدون قتال حتى الان!

الثاني – ظهور القوات الكوردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي في نفس الفترة في شمال حلب, واشعال معركة عين العرب – كوباني التي استمرت شهورا وصارت ذريعة لحصول القوات المذكورة على سلاح اميركي – روسي ضخم واعتراف سياسي بها, وهي صاحبة مشروع للسيطرة على شمال سوريا كله واقامة كانتون كوردي انفصالي, وتكرار المثال في منبج .

الثالث – التدخل الروسي العام الماضي تم كنتيجة مباشرة لفشل القوات الايرانية وجماعاتها في السيطرة على حلب, وتمثل حصة حلب من اسباب التدخل الروسي 70 % على الاقل بحسب المراقبين, وأخذت الحصة الاكبر من عملياتها الحربية حتى الآن.

الرابع – اتفاق الاطراف السابقة كافة : ايران, روسيا, النظام, الكورد, داعش على هدف جيوسياسي مركزي واحد هو ابعاد تركيا عن الساحة السورية, وفصلها عن الشمال, بدءا من الحسكة  شرقا الى اللاذقية غربا مرورا بالرقة وحلب وادلب. وانكشاف التعاون بين الجميع ميدانيا , وانضمام اميركا له بدعمها العسكري والسياسي الكبيرين للقوات الكوردية. واللافت هنا أن تعاون هذه الاطراف تطور لتحالفات غير مبدئية اطلاقا , كالتعاون الايراني مع الكورد في هذا الحيز الحساس لمحاصرة تركيا والضغط عليها, وكذلك التحالف المستتر بين القوات الكوردية وقوات الاسد, وقوات الاسد وداعش . وتذهب بعض الروايات الروسية أخيرا إلى أنه لولا تدخلهم لنشبت حرب مباشرة بين تركيا وايران بسبب سوريا. وقد قدمت ايران تنازلات مهمة لاكراد سوريا ثمنا لصفقة تحالفها معهم ليكون بإمكانها ارسال قواتها الى الشريط الحدودي مع تركيا!.

على أي حال أدت هذه العوامل الى احتشاد قوات واطراف بالغة القوة وكبيرة العدد والعتاد في مواجهة فصائل الثورة السورية, وفرض عليها القتال على جبهات عديدة ضد اطراف متعددة تنسق فيما بينها بشكل مؤكد, الامر الذي أحدث تأثيرا مباشرا على صمودهم واختلال تماسكهم الجغرافي وترابط مواقعهم وخاصة في شمال حلب وشرقها على طول الحدود مع تركيا , وبعمق 40 كيلو مترا , وسمح باختراق الاكراد من ناحية والقوات الايرانية من ناحية ثانية وقوات داعش من ناحية ثالثة للعديد من الجبهات القريبة من ابواب حلب.

وتزامنت هذه التطورات مع حدوث تحولات اقليمية ودولية بالغة التأثير أيضا تركت آثارها السياسية على مواقف الثوار  في جبهة حلب بخاصة, وبقية الجبهات بعامة:

1 – خروج تركيا من دائرة التأثير في سوريا بسبب انكفائها الاجباري للداخل بعد الضربات الارهابية التي وجهت لها من داعش والـ(PKK) ثم الانقلاب العسكري الفاشل, والأزمة الحادة مع روسيا بعد اسقاط طائرتها المقاتلة في نوفمبر الماضي, مما أجبر صناع القرار على مراجعة مواقفهم تجاه سوريا, وتقديم تنازلات لروسيا, وتخفيف حدة مواقفهم من الاكراد السوريين المحميين من أميركا, واضطرارهم للقتال ضد داعش أو اتقاء شرورها, وكان العامل الحاسم هو اغلاق حدودهم مع الشعب السوري بفعل حاجز عازل أقامه الاكراد على طول الحدود , بدعم عسكري روسي – اميركي – ايراني – اسدي.

2 – تراجع الدعم العربي العسكري للثوار السوريين بشكل ملحوظ في العام الاخير, بما فيه الخليجي والاردني, وتصريح بعض الاطراف عن مواقف تقبل ببقاء الاسد. ويمكن مقارنة مواقف هذه الدول والاطراف بما كانت عليه العام الماضي لقياس مدى التراجع والنكوص .ومن ناحية اخرى ظهور مزيد من الدول العربية المؤيدة لنظام الأسد أو المحايدة, وعلى رأسها مصر.

3 – تراجع المواقف الغربية, وخاصة الموقف الامريكي الذي تراجع أكثر أمام التدخل الروسي -الايراني لصالح  الاسد, وتراجع المواقف الاوروبية أمام العمليات الارهابية المنسقة التي ضربت فرنسا والمانيا وبلجيكا.

4 – اصرار الروس على احتواء الملف السوري بأيديهم, وفرض حلولهم الخاصة بالتعاون مع ايران , والاصرار على بقاء الاسد , وحمايته جرائمه, وتعطيل الحلول السياسية.

5 – الاضطرابات الاجتماعية التي احدثتها موجات هجرة سورية الى اوروبا بعد الغزو الروسي, الامر الذي يعزز الشكوك بتعمد روسيا التخطيط لها للضغط على الاوروبيين اولا, وتفريغ سوريا من مكونها الاساسي العربي – السني, وهو امر يتوافق مع الخطط الايرانية المذهبية والقومية .

هذه التحولات الدولية والاقليمية تركت ظلالها السلبية على قوة المعارضة السورية, وشكلت فرصة مناسبة للقيام بالهجوم الساحق على حلب في هذه الفترة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى