مقالات

الغزو الروسي لسوريا..  مغامرات بوتين إلى أين..؟!.. الجزء (9)

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

الحرب الهمجية التي يشنها بوتين على الشعب السوري منذ خمسة شهو وخاصة فصلها الأخير في حلب لا تهدد ثوار سوريا بالهزيمة, ولكنها تهدد العالم كله, وتضع السلم والأمن في الشرق الاوسط وأوروبا على حافة الهاوية, وتستغل حالة الغيبوبة التي دخلتها الولايات المتحدة, ويتوقع أن تستمر حتى تنتهي ولاية الرئيس اوباما العام القادم.

العالم كله واقع الآن تحت رحمة شخص تسيطر عليه ميول عدوانية واجرامية, مغامر تستهويه ممارسة ألعاب القوة الخطرة والسير على حبل مشدود بين ناطحات سحاب أميركية وروسية , تغذيه دوافع قومية متطرفة , ويسعى لغسل عار الهزيمة أمام مجاهدي افغانستان في التسعينات والثمانينات من القرن الماضي وما ترتب عليها من انهيار للاتحاد السوفياتي وسقوط مركز قوة روسيا على الصعيد العالمي لمدة ربع قرن .

لعبة بوتين الحالية تذكر بلعبة الزعيم السوفياتي السابق نيكيتا خروتشوف (1894 – 1971) قبل نصف قرن يوم ارسل  صواريخه النووية الى الاراضي الكوبية عام 1962 فرد الرئيس الامريكي جون كيندي (1917 – 1963) بإنذاره الشهير بسحب الصواريخ وإلا غزت امريكا كوبا, فتراجعت موسكو وسحبت صواريخها لكي لا تتعرض لضربة نووية أمريكية . ودفع خروتشوف ثمن فشل مغامرته فطرده المكتب السياسي للحزب الشيوعي عام 1964 من مناصبه لأسباب عدة أهمها فشله في ادارة الازمة الكوبية . وبوتين اليوم يشبه سلفه خروتشوف في قلة أدبه وتصرفاته الغريبة, وأبرز الأمثلة خطابه الشهير في دورة الامم المتحدة عام 1960 حين خلع حذاءه واخذ يضرب به على الطاولة مهددا  أعداء الشيوعية في العالم!

ولكن من حسن حظ بوتين اليوم أنه لا يواجه خصما قويا كجون كينيدي الذي واجهه خروتشوف!

 بوتين غريب الاطوار وظهرت نزعاته الجامحة لاستعمال القوة المفرطة والعدوان والمغامرة في مناسبات ومناطق عديدة, بدأت في القوقاز ثم في الفضاء السوفياتي وجورجيا,  ثم تطورت وتصاعدت في أوكرانيا والقرم, وأخيرا في مغامرته الجامحة بغزو سوريا وارسال قواته للمرة الأولى الى الشرق الاوسط للقتال في منطقة مشتعلة ومتفجرة تمثل  حاليا (حقل بارود العالم ) كما كانت منطقة البلقان قبل مائة سنة والتي تسببت بإشعال الحرب العالمية الاولى 1914 – 1917.

الملاحظة الرئيسية على خط سير السياسة البوتينية – الروسية خلال 16 سنة هي التطور المستمر باتجاه التصعيد , ولو أن الشعب الروسي والقوى الدولية كبحا جماح بوتين منذ ازمة القوقاز لما حدثت ازمة جورجيا , ولو أن الغرب تصدى لبوتين وعاقبه على جريمته في جورجيا لما تجرأ على غزو القرم واوكرانيا, ولو أن أمريكا واوروبا واجهتا بوتين في أوكرانيا بالحزم المناسب لما وجد امكانية لغزو سوريا. وقياسا على ما سبق فإن بوتين سيستمر في سياسته التصعيدية ودفع العالم الى حافة الهاوية, ما دامت الولايات المتحدة تكتفي بمداراته والطبطبة على ظهره لكيلا يحرجهم أكثر مما فعل!

مغامرات بوتين بدلا من الرد بدأت تثمر ايجابيا وتجد ترحيبا وتشجيعا في الغرب والشرق , بما في ذلك العالم العربي وهناك الأن من يمتدح بوتين ويكافئه بدفع الأتاوات له لكي لا يوجه نيران غضبه صوبهم . ولذلك لا أتوقع أن يكتفي بسوريا, وقد يفاجئنا غدا بالتدخل في اليمن, أو اشعال حرب مع تركيا! ولا يخفى على الخبراء أن سياسته الحالية نحو تركيا سياسة تحرش واستفزاز وتصعيد لجرها للمواجهة  وربما يمضي قدما الى إشعال حرب معها في سوريا أو في البحر أو على الحدود المشتركة بينهما, ومن الواضح أنه يسعى لاستغلال تطلعات الشعوب الكوردية لخلق حلفاء من داخل المكونات المحلية.

أحلام بوتين هي احلام أسلافه القياصرة بالوصول للمياه الدافئة وتثبيت اقدام روسيا في الشرق الاوسط  بالشراكة والتحالف مع حليف اقليمي يشاطره الهوس والغرور يتمثل في ملالي وجنرالات ايران المهووسين بالتوسع وجنون العظمة ونزعة التدخل.

أما سياسة واشنطن الرخوة فلا بد أن ننظر اليها لا باعتبارها تعكس حالة ضعف عابرة أصابت ادارة اوباما , ولكن باعتبارها  تعكس أزمة بنيوية تضرب بعمق القوة العظمى الأولى ترجمها أخيرا المستوى الهزيل للمرشحين للرئاسة من الحزبين, حيث رأى العالم مسرحا للدمى بمستوى غير مسبوق من التفاهة والقصور في الاداء السياسي ووعي التحولات الكونية جعل السيدة هيلاري كلينتون تبدو عبقرية وفريدة عصرها مقارنة مع الآخرين!

 وإذا لم تستطع ادارة أوباما التعامل الجاد والكفؤ مع التحدي الروسي ولا سيما في الشرق الاوسط  خلال ما تبقى لها من وقت, فإن الولايات المتحدة سوف تخسر موقعها ومصالحها الاستراتيجية في عموم المنطقة, ولن تنجح في الرد على التحدي الصيني القادم من الشرق الاقصى والذي بررت به تراجعات ها في الشرق الاوسط والخليج .

 معهد دراسات الحرب الأمريكي يقرع أجراس الخطر من داخل واشنطن. ومجلة فورين بوليسي رأت في هجوم القوات الروسية على حلب نتيجة حتمية لافلاس سياسة أوباما – كيري . وساسة أوروبا الكبار يحذرون من وهم الاعتماد على الحليف الأمريكي بعد الآن بعد أن اهترأت مظلتها الواقية على دولهم التي يطمع بها الروس , ويرى هؤلاء الساسة في حرب بوتين في سوريا كارثة كبرى لاوروبا سوف تتداعى نتائجها الامنية والاقتصادية لعشرات السنين, خصوصا اذا تحولت سوريا دولة فاشلة وساحة حرب مفتوحة بين الدول الكبرى والاقليمية .

بوتين لا يجد من يردعه , ولذلك يوغل في سياسته الهجومية على نطاق المحيطات والقارات من البلطيق الى المتوسط مرورا بالاسود وقزوين, ومن اوكرانيا الى سوريا , وربما يضرب غدا في تركيا أو في اليمن أو في السعودية أو في قطر, أو في مكان آخر لا يتوقعه احد سلفا . فسوريا لن تكون المحطة الاخيرة في مغامراته الهجومية, وربما تكون بداية مرحلة توسع جديدة للحروب الروسية القديمة ضد العالم الاسلامي بحجة – أو نتيجة – فوبيا مخاطر الاصولية الاسلامية تستهدف اعادة تشكيل دوله وتضاريسه الجيوستراتيجة  والديمغرافية بالتعاون مع الصين وايران .. وكوريا الشمالية . وبداية سياسة هجومية على محور مواز  تستهدف تقويض الاتحاد الاوروبي, أو وضعه تحت النفوذ الروسي.. بدلا من الاميركي!.

بوتين مثل فرعون الذي سألوه عمن فرعنه.. فرد لأنه لم يجد من يردعه!

في الفكر القانوني الجنائي العالمي المعاصر أن المحرض على الجريمة يستحق عقوبة أشد من عقوبة الفاعل, والرئيس اوباما هنا هو المحرض السلبي وبوتين هو الفاعل الايجابي!

ماذا يريد (رامبو الروسي) ؟

قبل ثلاثين سنة برز الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان بميله للعنف, إذ كان يؤمن بالقوة وسيلة لتحقيق أهداف بلاده السياسية على المستوى الدولي, دون اعتبار للقانون الدولي. ونتيجة هذه العقيدة التدخلية أمر ريغان عام 1986 بقصف العاصمة الليبية ومنزل العقيد معمر القذافي بهدف قتله أو توجيه تحذير شديد له , وقد دمرت الطائرات الامريكية المنزل المذكور فعلا . وريغان هو نفسه الذي اعطى الضوء الاخضر لاسرائيل لضرب منظمة التحرير الفلسطينية واخراجها من بيروت, ثم عاد وقصف مواقع الجيش السوري في لبنان, وفرض حصارا على نيكاراغوا, وتدخل في انغولا, واثيوبيا. وبسبب هذه السياسات المغامرة اطلق على ريغان في العالم لقب, وهو اسم مستوحى من فيلم بهذا الاسم يقوم بطله سلفستر ستالوني بمغامرة عنيفة في لبنان لانقاذ رهينة أمريكي خطفته عصابة اجرامية وعجزت الحكومة عن الافراج عنه بالطرق الدبلوماسية.

ويبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستوحي حاليا نفس السياسية التي انتهجها ريغان قبل ثلاثين عاما, يغزو أوكرانيا, وها هو يغزو سوريا, ولا أحد يدري البلد التالي الذي يفكر بالتهامه رئيس تتملكه رغبة دفينة بإستعادة بلاده لقوتها في العصر السوفياتي لتكون شريكا في صنع القرارات الكبرى على المسرح الدولي , وربما كان هذا هو ما دفع أحد الصحافيين لسؤاله ذات مرة: سيدي الرئيس هل تفكر باستعادة ألاسكا (من الولايات المتحدة)؟!

  بوتين اليوم هو رامبو جديد في العالم يسلك مسلك ريغان , فلا القوانين تقيده, ولا القواعد الدبلوماسية والسياسية تهمه. نجح في فرض كلمته على الغرب في شبه جزيرة القرم, ويحاول تكرار اللعبة نفسها في سوريا بإجبار الغرب على القبول بالاسد رئيسا, وتكريسها محمية لروسيا في الشرق الاوسط, وقاعدة نفوذ في البحر المتوسط باعتراف غربي دائم!.

بوتين الذي ورث من سلفه بوريس يلتسن نهاية القرن الماضي دولة تتنازعها الاضطرابات والثورات الداخلية وتهددها بالتفكك يعرف ما يريد ويسعى له بثبات مستغلا ضعف نظيره الامريكي اوباما, اضعف رؤساء أمريكا منذ جيمي كارتر الذي هيأ الفرص للسوفيات لغزو افغانستان والقرن الافريقي وانغولا . بوتين هذا شخصية فولاذية, مشاعره الانسانية ميتة, والمصلحة القومية وحدها هي المحرك الذي يسير سياسته الداخلية والخارجية .

لا يحب الفن والثقافة, احترف طوال حياته ألعاب القوة بشغف, لعب الجودو حتى نال الحزام الاسود. يجيد ركوب الخيل والسباحة واستعمال السلاح وقيادة الطائرات, وشارك في سباقات السيارات, مهووس بالنساء, ويحب النكتة ولا يتردد في القاء نكات بذيئة أمام ضيوفه حتى ولو كن نساء, قال مرة للسيدة ميركل في جلسة محادثات: عندنا مثل روسي: يا عروس اعملي ما شئت في ليلة الدخلة ولكنك في النهاية لا بد أن تُنكحي!

يجمع بين صفات القادة السوفيات المستبدين, وصفات القياصرة الروس المولعين بالتوسع, رجل دولة صارم تربى وعمل طوال حياته (من مواليد 7 اكتوبر 1952) في كنف جهاز الدولة السوفياتية البيروقراطي, ولذلك لا عجب أن يتأسف ويأسى لسقوطها, ويحن لمجدها الغابر, وهو امر طبيعي لضابط استخبارات خدم في (كي جي بي), وطبيعي أيضا أن يأمل استعادة ذلك المجد على الصعيد الدولي بصورة أو أخرى. قال مرة: من لا يحزن لانهيار الاتحاد السوفياتي لا قلب له, ومن يريد إحياءه كما كان ليس له عقل .

ومن الطبيعي لرجل كونته الاستخبارات السوفياتية أن يؤمن بالقوة فقط, وأن لا يؤمن بالقانون والديمقراطية . رجل أزال خمس مدن شيشانية من الوجود في غضون عشر سنوات, وقتل مائة الف مواطن ليقضي على ثورة شعبية لن يأسف لمقتل نصف مليون سوري, ولن يرى في الاسد سوى وجهه في المرآة. وفي قادة ايران سوى حلفاء موضوعيين يمارسون اللعبة في الشرق الاوسط بنفس الطريقة التي ادار بها اللعبة في الفضاء السوفياتي السابق, ولن يرى في حكام كوريا الشمالية سوى حليف احتياطي لابتزاز الغرب كلما اراد. ولا ينسى بوتين الجار الصيني العملاق, فيتقاسم معه شرق آسيا لمواجهة النفوذ الياباني, ونفوذ الولايات المتحدة القديم في المحيط الهادي.

 دول وأنظمة مارقة مستبدة واجرامية تكره الديمقراطية والحرية, وتعشق القوة والتوسع, لا يجمعها سوى عدائها للأنطمة المتحررة في الغرب , تسعى الآن لبناء تحالف جديد, ربما يتطور ليصبح نسخة شبيهة بـ(حلف واسو) جديد, نطاقه الجيوليتيكي ليس في أوروبا بل في آسيا التي تشير التطورات أنها ستكون ميدان التنافس والصراع الأول بين امريكا وخصومها في قادم الايام والاعوام. الحلف السابق كان مبنيا على قاعدة اديولوجية ومبادىء ذات وهج عالمي, أما الحلف الجديد فلا قاعدة له ولا مبادىء سوى العداء للديمقراطية والحرية واثارة الأزمات والتوترات. أي أن استراتيجة بوتين وحلفائه في الحلف القائم تستهدف اشعال حرب باردة جديدة بالتعاون مع الايرانيين والكوريين والعرب, لأنها تخلق بيئة مناسبة لحماية أنظمة مستبدة, وديمومة أجواء المواجهة في العالم لتأجيل الاستحقاقات الشعبية.

بوتين باختصار هو رامبو العالم حاليا, أو بعبارتنا السورية (الشبيح), أو كما وصفه المرشح الرئاسي في امريكا جيب بوش: إنه (بلطجي) لا يجدي التراجع أمامه, بل ينبغي تشكيل حلف مضاد لمواجهته!

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى