الغزو الروسي لسوريا.. هتلر الروسي” يكرر “المحرقة”.. الجزء (10)

خاص “المدارنت”..
ما الأهداف الحقيقية لعمليات
روسيا العسكرية في سوريا
دوائر كثيرة في العالم انشغلت بالاجابة على هذا السؤال, عسكرية وأمنية وسياسية واعلامية, ومعاهد ابحاث.
الاقدر على الاجابة هم الذين يتعرضون لهذه العمليات المستمرة منذ شهر, أي السوريون. والاستنتاج الذي خرج به هؤلاء وبشكل خاص في حلب ربما يشكل مفاجأة غير متوقعة, وهو أن الروس لا يستهدفون داعش ولا الفصائل المعارضة بالدرجة الأولى , وإنما يستهدفون السكان المدنيين في بعض المناطق , لإبادتهم أو تهجيرهم , كهدف رئيسي وأول , وتدمير ما بقي من مقومات الحياة في المدينة الأقدم في العالم!
قبل اسبوعين ألقت الطائرات الروسية قصاصات ورقية على المناطق المحررة في حلب طالبت سكانها بمغادرة بيوتهم وحاراتهم لأن الغارات ستدمرها تدميرا كاملا شاملا لا يوفر مبنى ولا شارعا , ما يعني أن من يبقى في هذه المناطق سيكون مصيره الابادة حتما . وتشمل هذه الخطة القرى والمناطق التي شاء حظها العاثر أن تقع على طرق المرور الوحيدة التي يسلكها جيش الاسد وحلفاؤه الايرانيون, في جنوب حلب وشمالها وخاصة بالقرب من الحدود مع تركيا.
يؤكد هذا الاستنتاج ما قالته فانيسا هوغوين الناطقة باسم مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية الاثنين الماضي من إن القصف الروسي تسبب خلال الاسابيع الثلاثة الاولى بنزوح 120 الف سوري من بيوتهم وقراهم ومدنهم, اتجه أكثرهم شمالا للعبور الى تركيا والالتحاق بملايين السوريين , وقالت المسؤولة إن جميعهم بحاجة ماسة وفورية للمعونات الضرورية كالماء والطعام والخيام.
وكانت صحيفة واشنطن بوست نشرت في نفس اليوم دراسة لمعهد الحرب والسلام توضح أن الطائرات الروسية استهدفت مناطق مدنية . ونقلت عن الخبير العسكري توماس مكينرني، قوله: “إنّ الروس وفي إطار حربهم ضد الفصائل السورية المسلحة يقومون بشن هجمات مروعة على المدنيين لترهيبهم ، مبينًا أنّ عشرات القنابل غير الموجهة تم إسقاطها على رؤوس المدنيين .ولا تستبعد الدراسة تعمد روسيا إيقاع أكبر عدد من القتلى المدنيين. وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أكدت انتهاك الطائرات الروسية قوانين الحرب؛ بسبب استهدافها للمدنيين في ريف حمص. أما وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون فكان أكثر تحديدا بقوله لصحيفة ذي صن السبت الماضي إن استخباراتهم العسكرية لاحظت أن 95% من الغارات الجوية الروسية استهدفت المدنيين.
ما معنى هذا..؟ ولماذا تخص روسيا المدنيين في سوريا..؟
نفس السؤال طرحه الناس والمراقبون المتخصصون طوال السنوات الأربعة عن مغزى قصف طائرات الاسد ومدفعيته وصواريخه مناطق سكنية لا وجود فيها لقوات عسكرية للثوار؟ هل هو مجرد خطأ أم مقصود؟
بالتجربة ادرك السوريون أن قوات الاسد تستهدف عمدا قتل المدنيين وتهجيرهم وتدمير مدنهم وحواضرهم ومقومات حياتهم الاقتصادية والاجتماعية بلا سبب سوى اعدام الحياة ذاتها بكل أركانها. ونتيجة لهذه السياسة تناقص سكان الى اقل من مليون نسمة بعد أن كانوا حلب يتجاوزون ستة ملايين نسمة , ويبدو أن الروس جاؤوا لاستكمال ما فعله الاسد بسرعة وكثافة أكبر بفضل صواريخهم المتطورة.
نفس المخطط يطبق في مدينة دمشق التي يسيطر عليها الاسد بقوة بإشراف الايرانيين, تهجير وتفريغ سكاني منظم, حتى لم يعد فيها إلا أقل من نصف سكانها الأصليين. الأعلام والرايات المذهبية الايرانية والشيعية تملأ دمشق, بما في ذلك المسجد الأموي وقبابه.
السوريون المدنيون إذن هم العدو الذي تستهدفه قوات الاسد والغزاة الايرانيون والروس, وقوات حزب الله , والفصائل العراقية وكلهم شيعة.
تقرير أعدته الإذاعة السويدية من خلال مقابلات مع اللاجئين لفت الأنظار إلى أن 11000 افغاني شيعي دون الثامنة عشر وصلوا اليها قالوا للمحققين إنهم هربوا من إيران لأنها ترغمهم على التجنيد للقتال في سوريا!
كل ما اقترفته قوات الاسد طوال خمس سنوات إنما كان تنفيذا لتعليمات روسية – ايرانية بدليل أن الدولتين لم يستنكرا في أي يوم شيئا من الانتهاكات والارتكابات الفظيعة التي نفذتها قوات الاسد ولو لذر الرماد في العيون . والدولتان تكرران يوميا أن وجودهما في سورية يقتصر على المستشارين الأمنيين الذين يرسمون الخطط ويقدمون الخبرات الاجرامية من دولتين لهما تاريخ حافل بهذه الجرائم الكبرى التي تستند الى فكرة جهنمية: إذا كان في الغابة وحش يهددك فاحرق الغابة كلها!
هدف العمليات الروسية الذي يبحث المحللون والخبراء عنه هو إحراق الغابة بما فيها, أي إبادة الحاضنة الاجتماعية التي انجبت المعارضين وتتضامن معهم , تدمير المدن نفسها أحجارا وآثارا عقابا لها لأن سكانها من هوية دينية وثقافية مكروهة!
جرائم تذكر بالمحرقة التي نفذها النازيون في الحرب العالمية الثانية بقيادة ادولف هتلر . ولا يخالجني شك أن المؤرخين سيصفون في المستقبل ما يجرى في سوريا حاليا إنما هو (محرقة – هولوكست) لا تختلف عن محرقة النازيين, وسيقارن بوتين بهتلر كما فعلت هيلاري كلينتون, وخامنئي بموسوليني.
وبنفس الثقة أعتقد أن المؤرخين سيكتبون عن ساسة الغرب وخاصة الرئيس باراك أوباما وشركاؤه الأوروبيون أنهم بصمتهم وتخاذلهم وسلوكهم شركاء للنازيين الروس والايرانيين مما يجعلني اشك أن تجري محاكمة أي واحد من أبطال جريمة العصر في سورية في أي وقت.
تدمير الفسيفساء السكاني
منذ ألفي سنة وحتى سنوات قليلة مضت ظلت بلاد ما بين النهرين – سوريا والعراق , بما فيهما فلسطين ولبنان- نموذجا فريدا للتعايش الديني والمذهبي والعرقي في العالم, نموذج طبيعي غير اصطناعي ولا متحفي, وتعايش انساني حقيقي غيرمفروض بالقوة, كما في بلدان ونماذج أخرى . ومن يرجع الى مؤلفات الرحالة الأوروبيين الذين زاروا الشرق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشرسيجد أمثلة حضارية باهرة لهذا التعايش الذي صنعه التاريخ وثقافة التسامح العميقة بين جميع الديانات السماوية الأصيلة الاسلامية والمسيحية واليهودية بتعدديياتها, والعربية والسريانية والكلدانية والآشورية والكوردية والارمنية والشركسية والالبانية والشيشانية .. إلخ.
وإذا كان للسلطنة العثمانية التي عمرت قرونا خمسة حسنات كبيرة وكثيرة في مراحل ازدهارها ويفاعتها فإن حماية التنوع والتعدد يأتي في مقدمها, وهو نفسه دعامة مناعتها وديمومتها. ويعرف (أو يعترف!) كثير من المؤرخين والباحثين الغربيين بأن مفهوم التسامح الديني انتقل الى أوروبا عبر الدور العثماني في اوروبا, بما في ذلك تعزيز الكنائس الحرة البروتستانتية (بول كولز) .
الفضل الأول يرجع الى الاسلام السمح الذي يؤمن بالمسيحية واليهودية وبقية الديانات بما فيها الصابئية ويحترم البوذية , ويسمح بالتزاوج ويحض على التعايش والشراكة , ويحرم البغي والعدوان لأسباب دينية على المؤمنين من الديانات الأخرى. ولم يتعرض هذا الفسيفساء الشرقي للخطر والانقسام إلا بعد أن بدأت أوروبا الاستعمارية في القرن التاسع عشر تمد اصابعها وتعبث في مجتمعاتنا, وتنشر قيمها المعادية للتنوع والتسامح باسم الحداثة والقومية . وكانت بلاد البلقان ساحة التدخل الأولى , حيث ركز الاوروبيون مؤامراتهم لاشعال الفتن والحروب الدينية ضد المسلمين واليهود بشكل رئيسي بحجة تحرير الشعوب ودعم تطلعاتها القومية, وأدى ذلك في غضون مائة سنة الى تغييرات جذرية في تكوين المجتمعات والمدن والبلدان. وتكفي المقارنة بين ما كانت عليه ثم اصبحت عليه الآن مدن مثل: سالونيك, سراييفو, اوخريد, كريت, سكوبيا, تيرانا.. إلخ. فقد اختفى أو كاد اليهود , كما تقلص الاسلام حتى انحصر في مدن ومساحات ضيقة, ومرت هذه التحولات والتغييرات عبر حروب أهلية ومجازر جماعية وحرب ابادة وعمليات تهجير جماعية استمرت مائة وخمسين سنة ذهب جراءها ضحيتها ملايين البشر وفي الغالب كانت بتحريض أوروبي مستمر. وبلغت هذه السياسات ذروتها في مطلع القرن العشرين مع انهيار السلطنة حيث اصبحت منطقة البلقان (برميل بارود اوروبا) ومنها انطلقت الرصاصة الأولى للحرب العالمية الأولى 1914 – 1917. ولنفس الاسباب ظل التركيب السكاني الفسيفسائي للبلقان يتعرض لعمليات تدمير منظمة من دول ومنظمات لا تؤمن بالتعدد والتسامح والتعايش، وكان آخرها حربا البقان (البوسنة 1992 – 1995 ) و(حرب تحرير كوسوفا 1997 – 1998) وسبقهما تهجير مئات الوف المواطنين المسلمين من بلغاريا عام 1986, وتكراره في مكدونيا .
وما حدث في فلسطين بين 1948 و1967 هو شيء مشابه لما سبق في البلقان, تدمير للتركيب السكاني جراء سياسة مبرمجة وممنهجة استمر العمل على تنفيذها مائة سنة واشتركت فيها غالبية دول أوروبا وانتهت بتجميع يهود العالم في فلسطين على حساب أهلها وسكانها العرب الاصليين, مسيحيين ومسلمين.
ما يحدث حاليا في سوريا والعراق هو عملية أخرى مشابهة تستهدف التدمير المنظم للتركيب السكاني الفسيفسائي التاريخي لبلدان المشرق العربي, تهجير للمسيحيين الى الغرب تشابه تهجير يهود اوروبا الى فلسطين , ونقل لمئات الوف الشيعة من افغانستان وايران الى سوريا وابادة منظمة للسنة في العراق وسوريا. مؤامرة تتورط فيها روسيا الارثوذكسية بحجة أن (الاسلام السني) تحديدا يشكل خطرا داهما على مصالحها وامنها القومي.
وهناك ما يكفي من الأدلة مصدرها رجال دين (مسيحيون أحرار) على تورط جهات كنسية ارثوذوكسية روسية سعت منذ بداية ثورة 2011 في سوريا الى وضع خطط لتهجير المسيحيين الشرقيين جماعيا من سوريا بدعم وتمويل روسي. وبتعاون استراتيجي مع ايران التي عملت منذ ثورة الخميني على تصدير مذهبها وربط الشيعة في كل البلدان بها, وتسعى الآن لخلق واقع ديمغرافي جديد يحتل الشيعة فيه موقعا مركزيا على حساب المكون السنة تحديدا. والتحالف السياسي والامني بين روسيا وايران ذو أهداف تتجاوز ذلك الى أهداف دينية وديمغرافية أعمق وأبعد.
اخطر ما في الحريق الضخم الذي اشعلته ايران وروسيا في الشرق العربي تدميره لأحد أروع نماذج التعدد الديني والمذهبي والقومي والذي ظل ألفي سنة قائما ومتماسكا, ولا يتعذر علينا ملاحظة أن التهجير والتدمير المتعمد للنسيج السكاني في العراق وسوريا هو هدف مركزي للعدوان الايراني والروسي, وأن آثاره تمتد الى لبنان, ويلتقي في النتائج والأهداف البعدية مع ما جرى وما زال مستمرا في فلسطين, الأمر الذي يجعلنا نقول إن الشرق العربي يفقد الآن أعظم خصائصه التاريخية الحضارية, بفعل الغزوة المغولية الجديدة التي تمثلها ايران حاليا من ناحية, والدموية الصليبية التي تمثلها الارثوذوكسية الروسية من ناحية ثانية. وبفضل هذا التحالف العميق الذي يحاول دغدغة مشاعر الكنيسة الكاثوليكية لجرها الى الحرب على الاسلام التاريخي لتوسيع جبهة الحرب على الاسلام ونشر الفوبيا والكراهية.
ولكن هذا المخطط المتطرف لن يصل الى مبتغياته بسهولة كما يقدر ويخطط بوتين وكنيسته, وملالي طهران والدليل هذه المقاومة العنيدة التي نراها في شمال حلب بخاصة وسوريا بعامة, فضلا عن الاحتشاد الاسلامي والاقليمي دفاعا عن سوريا كنموذج حضاري منافس للنموذج الايراني والروسي القائمين على الابادة والتطهير الديني يترجم حجم المقاومة انما يمثلان رد فعل مقاوم يتشكل الان لمواجهة المغول والصليبيين الجدد , لكي لا يتكرر ما سبق أن رأيناه في البلقان في بلاد ما بين النهرين, أو المشرق العربي.
لقد أصبح الشرق الأدنى برميل بارود العالم, ويخاطر الذين يلعبون به وبمكوناته الدينية والاجتماعية بإشعال حرب ستحرقهم حتما, فهذه اللعب والعبث بالنار والديناميت قابل لإشعال حرب عالمية لا تبقي ولا تذمر, تهدد الحياة على كوكب الارض, وتعيد الجنس البشري الى العصور البدائية الفكرية والدينية.



