مقالات
الـجــرح الـمـفـتــوح..!

خاص “المدارنت”..
لم يكن يوما” عاديّا” في “الشراونة” من “بعلبك”؛ فالحارة على غير مألوفها في حركة متواصلة منذ صباح هذا اليوم. إنّها على موعد مع استقبال “حنضل” إبن الشيخ “متعب” الذي عاد لتوّه من “بلجيكا” يحمل شهادة في الطبّ من إحدى جامعاتها.
لقد أمضى في دراسته بضع سنوات ، وها هو يعود بشهادته، والأهل يعدّون له الاستقبال الحافل الذي يليق بمقامه ومقام أبيه في عشيرة آل “جحفل” ؛ فمنذ وصله خبر تخرّج إبنه، وتأهّبه للعودة الى الوطن، لم يتأخّر الشيخ “بو حنضل” من إعداد الترتيبات الضرورية لحفل استقبالٍ حاشد، يقيمه له، ويريده أن يكون فريدا” بين احتفالات التكريم في المنطقة .
وضع خطّة العمل:
– دعوة بعض من شيوخ العشائر، ووجوه العائلات، ومن يعرفه من وجهاء المنطقة الى دارته في “الشراونة” .
– إعداد مأدبة غداء كبيرة للمدعوّين تقدَّم فيها لحوم الخراف بين مشويّ ومطهيّ في مناسف دسمة يروي ضخامتها تاريخ الموائد البعلبكية العامرة.
إقامة حفل خطابيّ مميّز احتفاء” بالطبيب الكبير ، وإشادة” بعلمه الذي سيرتفع به الرأس عاليا” ؛ ف”بوحنضل” ليس رجلا” عاديّا” مغمورا” في منطقته وبين قومه ، وابنه أيضا” يجب ألّا يكون كذلك .
– تأمين تغطية اعلامية لهذا الحفل من خلال دعوة بعض الصحفيين للحضور والمشاركة ؛ ممّا يجعل للحفل بريقه الإعلاميّ وللمحتفى به شهرته الواسعة .
كانت خطّة العمل متقنة ؛ لكنّها لم تكتمل كما يريد ؛ فدعوة العشائر والعائلات لا بدّ أن تستثني عشيرة آل “خنجر” التي قتل “بو حنضل” أحد وجهائها الذي كان شريكا” له قي زراعة الحشيشة والإتّجار بها منذ نحو عقدين من الزمن .
لقد اختلفا يومها على الحصص من الأرباح، فكانت تلك النتيجة المأساوية الدامية .
إثر ذلك ، وتفاديا” لردّة الفعل من قبل ذوي القتيل ، ترك قرية “الصوّانيّة” الى “بعلبك ، وشاد عند أحد أطرافها حيث يقيم بعض أقاربه دارة واسعة ، إتّخذها مسكنا” له ولأسرته منذ ذلك الحين .
يومها لم يحرّك آل القتيل أيّة دعوى ضدّه ، وهي عادة العشائر حين يريدون الإنتقام؛ فتحسّب لذلك خلال السنوات الأولى لرحيله . لكنّ شيئا” من مخاوفه لم يتحقّق ؛ فقد تناهى إليه بعد ذلك أنّ ابنيّ القتيل تركا القرية وسافرا خارج البلاد وانقطعت أخبارهما هناك منذ أمدٍ بعيد .
كان قد حاول قبل سنوات توسيط بعض الوجهاء لإجراء مصالحة مع آل “خنجر” ودفع دِيّة جزيلة لذوي القتيل ؛ لكنّ المحاولة فشلت لوجود ولديه في الخارج ، فبقي الأمر معلّقا” بانتظار عودتهما . وقد مضت السنون بعد ذلك والعودة لم تحصل ، فبات القلق من الانتقام يتضاءل مع الأيّام ليقارب حدود النسيان .
مع اقتراب ظهيرة يوم الإستقبال، كانت دارة “بو حنضل” تعجّ بالمدعوّين . لقد لبّت الدعوة وفود كثيرة ، قدمت من أنحاء مختلفة من المنطقة ، وضمّت بعضا” من وجوه العشائر والعائلات والشخصيات الإجتماعيّة .
مع حلول موعد الغداء تقدّم المدعوّون جماعة إثر أخرى لتناول الطعام ، وعندما فرغوا منه بدأ الحفل الخطابيّ .
استُهلّ هذا الحفل بكلمة رحّبت بالضيوف ، ونوّهت بمكارم الشيخ “متعب” وأياديه البيضاء في تأمين ضروريات الحياة لأسرٍ تعتاش من العمل في زراعة الحشيشة في أرضه الواسعة .
فضلا” عن إنفاقه على تعليم ولده في الخارج الذي يعود الآن طبيبا” متخصّصا” ليعالج الحالات المرضيّة لأبناء المنطقة وغيرهم .
كان الشيخ “متعب” على قائمة من سيدعَون للكلام ، فوقف ليرتجل كلمته قائلا” :
– ” بدّي بالأوّل رحّب بإخوانّا العشائر وأهلنا من العائلات ، وبكلّ اللّي شرّفونا من وجهاء المنطقة وأهاليها الكرام .
” هيدا إبنكن “حنضل” راجع اليوم حكيم بيحمل أعلى الشهادات لحتّى يكون واحد منكن بيستقبل مرضاكن وبأمّنلهن المعالجة المطلوبي”.
” “بو حنضل” اليوم غير اللّي عرفتوه من زمان ، وهيدا حال كلّ عشائرنا الكريمي . كتير من العادات السيّئه صارت ورانا ، وهيدا رح تلمسوه بالمستقبل إن شاء الله . لا قتل ، ولا تعدّيات ، ولا مظاهر مسلّحة وخروج على القانون والنظام ؛ لأنّو الكلّ تعلّموا وصاروا تحت القانون ، وبيِعتبروا إنّو الناس متل بعضها ما حدا أحسن من حدا .
… وعلا التصفيق في الباحة الواسعة استحسانا” للكلام وترحيبا” به .
وختم قائلا:
” نحنا اليوم غير بالأمس . نشالله ما بتشوفو منّا غير كلّ خير
وخدمي لهالمنطقة وأهلها . وهيدا إبني اللي عمنحتفل فيه اليوم رح يكون المثال الحيّ على الشّي اللّي عمقوله ” .
أنهى الشيخ كلمته وعاد الى مكانه بين المدعوّين وسط مزيد من التصفيق .
وتتابعت الكلمات تنسج على المنوال نفسه ، حنى كان دور المحتفى به ، فصعد المنبر ، وشرع يلقي كلمته .
” أيها المحتفلون الكرام ، أرحّب بكم شاكرا” تفضّلكم بتلبية دعوتنا الى هذا الحفل لتكريمي ، راجيا” أن أكون عند ثقتكم بي وأن أوفّق في تقديم الخدمة الصحّية لكلّ محتاج بينكم .
منذ بلغت سنّ النضج والرشاد ، أدركت أنّ عليّ واجبا” تجاه …
وانهمر وابل من رصاص ، وتبعه آخر على الفور ، وصوت من خارج باحة الدار يصيح :
” دمّ أبونا برقبتك يا “بو حنضل” صرله سبعتعشر سنة . فكّرت حالك خلّصت ونسينا ؟!
لا.
نحنا ما نسينا.
والله لنحرقلك قلبك متل ما حرقتلنا قلبنا.
إنهمر الرصاص كثيفا. إنقطع صوت الطبيب الشابّ . إنحنى جسده الى الأمام، ثمّ سقط على الأرض مضرّجا” بدمه .
موجة عارمة من الصخب والاضطراب تسود المكان . كان ما حصل صاعقا” صادما” . بعضهم أسرع لإسعاف المصاب ، وبعض لحمل السلاح وملاحقة القاتل ، وآخرون تحرّكوا لمغادرة الدار والانسحاب من دائرة الخطر .
مع هذا الاضطراب الشامل الذي حرّك المجتمعين كلّا” في اتجاه ، بدأ الرصاص يلعلع في المكان مختلطا” بصراخ النسوة وصيحات الغضب لدى بعض الرجال .
وتناهى الى المسامع ما أزكى اللهب المتوقّد في الصدور :
” ما في حاجي لنقله عالمستشفى .”حنضل” عطاكن عمره “
لم يستطع أهل الضحيّة اللحاق بالجناة . لقد فرّا إثر تنفيذ الجريمة إلى جهة مجهولة . كانا قد خطّطا للعملية من قبل . لقد أرادا أن يكون الإنتقام موجعا” ، بل محرقا” كالجمر الذي اكتويا به بفقد والدهما ، والانتقام على هذه الصورة يحقّق الغاية المرجوّة .
لقد علما من أقرباء لهما بعودة ” “حنضل” ، وبالاستقبال الحافل الذي يعدّه له أبوه ، فعادا من الخارج ، وكمنا بسلاحهما على سطح بناء غير مأهول يجاور دارة الشيخ “متعب” ، ويشرف على الباحة التي يجري فيها الإحتفال، وعندما شرع “حنضل” في إلقاء كلمته ، صاح كبيرهما مخاطبا” والده ، ثمّ أطلقا النار عليه ، وفرّا باتجاه قريتها “الصوّانية” القريبة من “بعلبك” .
وعندما بلغا القرية ، كان الأهل وأبناء العشيرة في الاستقبال ، فعلت الزغاريد ، واشتعلت الأجواء بالعيارات الناريّة ابتهاجا” ؛ فقد ثأرت العشيرة وبرد جرحها المحرور .
كانت المفاجأة الدامية شديدة الوقع في دارة الشيخ “متعب” . لقد أشعلت في دمه ودماء أسرته وأقربائه جذوة غضب حارقة .
لكنّه كتم الغيظ ، وعضّ على الجرح ، وتوجّه الى أسرته وأقربائه قائلا” :
– ” صبروا عليّي . لا تآتوا بأيّ حركة هلّق .
وشرف إبي ، دمّ إبنّا ما رح يروح هدر . رح يدفعوا التمن غالي . قتلولنا الحكيم المتعلّم اللي كنّا عمنشوف حالنا فيه ! والله ليشوفوا منّا شي ما بيتصوّروه . بس هلّق بدنا ندفن إبنّا بالأوّل ، وبعدها إلنا شغل تاني ” .
وجرت مراسيم الدفن بصورة صامتة ، تقبّلت فيها العائلة التعازي وفق الأعراف السائدة .
وجاء رجال الأمن يواسون ويسألون :
– المرحوم عزيز عالجميع . كلّ واحد بيعرف إدّيش الخسارة كبيري ، ونحنا ما رح نترك القضيّة . بدنا نلاحق الفاعل . بتشكّوا بحدا ؟ بدكن تدّعوا عحدا ؟
وبلهجة حازمة حاسمة ، أجاب ” أبو حنضل”:
– لا ، لا . ما منشكّ بحدا ، ولا بدنا ندّعي على حدا . قيّدوا القضية ضدّ مجهول .
في اليوم التالي لمراسيم الدفن والعزاء كان المشهد في بلدة “الصوّانية” مفزعا” . بدت البلدة كساحة حرب . هاجم الجحافلة هذه البلدة ، وكان الهجوم يركّز على هدفين:
منزل إبنيّ دعّاس خنجر اللذين نفّذا جريمة قتل حنظل ، ودارة شيخ العشيرة “عجاج خنجر” وابنه “راشد” صاحب مدرسة “النهضة والتقدّم” في القرية .
كانت القرية مسرحا” للسلاح المتوسّط والخفيف ، والأعيرة الناريّة تتطاير هنا وهناك ، وقذائف ال”أر بي جي” تستهدف هذا المنزل أو ذاك . وآل ” خنجر ” يواجهون الهجوم بما لديهم من أسلحة متنوّعة . لقد تحسّبوا لمثل هذا الهجوم ، وأعدّوا العدّة لمواجهته .
في وضع كهذا لم تجد المؤسسة العسكرية مفرّا” من التدخّل للفصل بين المتحاربين . لكنّ الاشتباك الذي دام لساعات ، كان قد أسفر عن قتلى وجرحى بين من الطرفين ، وكان الأبرز من هذه الخسائر هو مقتل “راشد خنجر ” الذي قضى بقذيفة ” أر بي جي” ، استهدفت منزله ، وابن أخ الشيخ “متعب” الذي لم ينج من إصابة بليغة في رأسه سرعان ما أودت بحياته.
أمّا الجيش الذي تدخّل للفصل بين المتحاربين ، فقد نجح في إيقاف الإشتباكات الدامية ، وإعادة آل جحفل إلى منازلهم ؛ لكنّه لم يكن ليسلم من إصابات لحقت لحقت بجنوده وكان بعضها خطيرا.
توقّف الإشتباك بين الطرفين ؛ لكنّ الحرب لم تنتهِ بينهما ؛ فالنفوس تضمر الإنتقام، والسلاح متوفّر لا رقيب ولا حسيب، والعقل الثأريّ الإنتقاميّ المتخلّف لا يشكمه وعي حضاريّ ولا سلطة لقانون أو نظام .
* الأسماء والأماكن في النصّ لا تدلّ على شخصيات وأماكن بعينها، فاقنضى التوضيح.
=======================



