“الـفـــايـســبـــوك” والـلــقــــاح..!

خاص “المدارنت”..
الإناء ينضح بما فيه! والمشكلة كلما كَبُرَ حجم الإناء أصبح ينضح بمادّة مكوّنة من خليط لا يمكن السيطرة عليه. والمثال الواضح على هذا الإناء هو “الفايسبوك”.
هذا الميدان الواسع، لا تحكمه ضوابط (أخلاقيّة، اجتماعيّة، تربويّة..) فضوابط هذا العالم الافتراضي مُقتصرة على إدارة تقنية متحكّمة عالميًّا، تُعاقب (بتجميد الحساب) من يتطاول “ببوستاته” على الكيان الصهيوني. فاللوبي الصهيوني يتلاعب عن جدارة بالمنصّات العالمية، لفرض وجود كيانه على العالم! وفي عودة لحديثنا عن الفايسبوك، فالمعايير التي يجب أن تكون ضوابطًا تتحكّم بالمساحات العامة، ليست من المفترض أن تكون ضوابطَ قمعيّةً. لذا ذكرت مصطلح “معايير”.
فالمعايير هي حدود أخلاقيّة، تنضوي تحت مظلّة حقوق الإنسان وقيمه، وهذا ما تتميّز به الدول التي تحترم هذه الحقوق. ومن هذا المنطلق، يلعب اختلاف الوعي عند الناس دورًا صارخًا في رسم المسار الذي تتبعه عامّة الناس، من خلال سلوك آلي ببّغائي، دون السؤال حتّى: لماذا أفعل كالآخرين وأضع صورتي على الفايسبوك عند أي مناسبة خاصّة أو عامّة؟
فالصراع بين العام والخاص مرتبط بوعي فردي. وغياب الهويّة اللبنانية له الأثر الكبير في ذلك. فالهويّة ليست بطاقة تحبس حاملها في صندوق الطائفة أو المذهب أو الدين. الهوية عبارة عن مفهوم مواطنة مُرتبط باحترام الحقوق والالتزام بقانون البلد. وحين تجزّأت المواطنة إبّان الحرب الأهليّة إلى عصبيّات متقاتلة، أصاب اللبنانيون نقصًا في منسوب الهويّة استعاض عنه البعض باتباع سلوكيّات، ظنَّ مُتّبعُها بأنها الدواء الشافي، لكنها مُخدّر يُعمّق الابتعاد عن مُعدّل المنسوب الناجع للهويّة التي تُفيد الوطن.
ومن السلوكيّات التي اعتبرها نقصٌ في هويّة الفرد، عرض الصور الشخصيّة الخاصّة على هذه المساحة العامّة. فالوعي كما ذكرت هو المسؤول عن تنظيم العلاقة بين العام والخاص. والوعي الفردي هو مفهوم غير شمولي. فمن المؤكّد أن نجد “واعيًا” مُتعمّقًا بالمجال السياسي والاقتصادي، والمجتمعي حتّى.. ولكن لو راقبنا سلوكه على المستوى الفردي في تعاطيه مع هويّته، يصل بنا الانطباع للحكم عليه بالمريض نفسيًّا!! فما قول زائر مواقع التواصل الاجتماعي، حين يشاهد صورة أحد “الدكاترة” في العلوم السياسية أو الاجتماعيّة وهو يأخذ اللقاح المفترض على كلّ إنسان أخذه لحماية نفسه من جائحة كورونا؟ هل هذا حدثٌ يُحتفى به؟ مع أنّي متأكّد كلّ التأكيد بأن “الدكتور” المذكور يعلم تمامًا بأن هدف مارك زوكربيرغ من ابتكار الفايسبوك، كان تبادل الخبرات التعلّمية بين الطلاب على هذا الموقع المُفيد للبشريّة.
ولم يخطر بباله أن هناك أناسٌ قد يستخدمون هذا الموقع، كحائط لعرض الصور لمناسباتهم/نّ الخاصّة. ونعود للفرق بين الخاص والعام، والذي يميّز بينهما هو الوعي، الذي يجعل حامله يدرك ميزة استخدام المواقع العامّة لشؤون عامّة وليس خاصّة!
فلم يخطر ببال الأخ مارك أن اناسًا قد يستخدمون الفايسبوك بشكلٍ خاطئ، وهؤلاء الناس لم يتكبّدوا عناء معرفة وجهة استخدام موقع التواصل الذي يُنعت بالاجتماعي! فهم يعانون أصلاً من نقصٍ في بناء الهويّة. وبناء الهويّة نفسه الذي يدفعهم/نّ لقراءة “كتالوج” أي قطعة يبتاعونها، لفهم وجهة استخدامها! وليس غريبًا على من يعاني خللاً في ميزان الهويّة أن يسلك سلوكًا مُعتقدًا بأن هذا السلوك يندرج ضمن منظومة السلوكات التي تعكس هويّة الإنسان! لا بل هذا السلوك على ما أعتقد يندرج تحت خانة السلوك التعويضي الذي يملأ الفراغ الموجود في الهويّة.
أصدقائي: لست طامحًا لتغيير سلوك البشر، لكنّ أدعو الجميع لقراءة كتالوج الذات، الكتالوج “الربّاني” الذي خلقه الله في عقولنا، فقط كي لا نطهو طعامنا على نار “البرّاد” أو في الغسّالة. فكيف تنهرون طفلاً صغيرًا أذا ما حاول تناول الطعام بمفرده، ووضع الملعقة في خدّه بدل ان يضعها في فمه؟ وأنتم الناضجون تحوّلون موقع تواصل اجتماعي تربوي تعليمي إلى جدار لتعليق أخبار أفراحكم/نّ وأحزانكم/نّ! هل يمكن لأحدٍ أن يخبرني أيّ صورة ستعرضون في مناسبة “طهور” ابنكم”؟



