مقالات

القضية الفلسطينية.. العودة إلى الواجهة..!

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”…

لأكثر من 70 عاما، ظلت القضية الفلسطينية، هى مركز الإهتمام فى العالمين العربي والإسلامي، وشكلت مجمل أحداث وتطورات هذه الحقبة.

ومن تبعاتها المتلازمة، نبع ثم تسامى الشعور القومي والديني والأممي من المحيط إلى الخليج وتبلور فى حركات وأحزاب سياسية وإجتماعية تعبر عن رؤيتها الفكرية والنظرية وتسعى من خلالها إلى سبل تطبيقها على أرض الواقع المعقد، فى وقت كانت الحرب الباردة على أشدها  ، مما ألقى ظلالا كثيفة على المنطقة.
 وأضحت جاذبة لأطماع الدول الإستعمارية لما تحويه من مصادر إقتصادية وبشرية وتاريخية  يضاف إلى ذلك موقعها الجغرافي المتميز الذي يطل على بحار ومحيطات وأنهار وطرق ملاحية حيوية.
كانت معظم تلك الأحزاب العربية كثيرة الثرثرة و التهريج الإعلامي وقليلة الفعل، فبدلا من  أن تسير على طريق تحرير الأرض المسلوبة على هدى أفكارها وشعاراتها الرنانة لجأت إلى التآمر على بعضها البعض وفى أحسن الأحوال إلى التنافس الغير شريف.
وكان من الطبيعي – فى مثل هذه الحالات – أن تضعف القوى الوطنية العربية وأن تفشل محاولاتها فى الوحدة و التعاون المتبادل والتنسيق الجمعي وأن تهتز الثقة بالذات العربية وبقوتها الظاهرة والباطنة.
وتلك الأحزاب و الحركات القومية والإسلامية – الناشئة بلا عمق فكري أو تجربة عملية – ظلت تسير  بلا هدى أو كتاب منير و تتأرجح  بوصلتها  ذات اليمين وذات الشمال، فأفسدت الشعور القومي والديني الطاغيين فى المنطقة، واللذان كانا علامة بارزة بعد التقسيم الجائر بإتفاقية سايكس بيكو.
وفى المقابل كان الكيان الصهيوني – و الذى زرع فى خاصرة الأمة كترياق مضاد للمد القومي والإسلامي –  ينمو ويترعرع ويثبت أقدامه، ويبنى مؤسساته العسكرية والأمنية والمدنية ويخلق تحلفاته السياسية مع الشرق والغرب، ومن وراء ذلك كله، آلة إعلامية ضخمة، تسيطر عليها وتديرها الصهيونية العالمية.
ترك إختفاء زعامات تاريخية عن المسرح فراغا وإحساسا بالعجز والخيبة، بخاصة بعد الهزائم المتلاحقة للجيوش العربية، وكانت من نتائجه إتفاقية كامب ديفيد، وتبعتها إتفاقية وادى عربة وإنسلخت بهما أهم دول المواجهة، وتخلتا عن دورهما القومي فى التصدى والمقاومة على وقع مقولة السادات (أن 99 % من أوراق اللعبة فى يد أمريكا).
وجاءت بعدهما إتفاقية أوسلو، والتى اعترفت بموجبها منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، وقررت التخلى عن الكفاح المسلح، وأعطيت بموجبها سلطة بلا سلطات ودولة بلا سيادة.
وهكذا أطلق العنان للكيان الصهيوني في أن يسرح و يمرح على الأرض العربية، ويحلق فوق  فضائها بلا رقيب أو حسيب، بعد أن كبلت الأنظمة بقيود إتفاقيات مجحفة وظالمة، ونفض الكيان الصهيوني يده عنها قبل أن يجف الحبر الذى كتبت به، مصدقآ لسلوكه الأزلي فى نقض العهود والمواثيق.
ومارس إرهاب الدولة، وإمتدت يده، وطالت بالضرب والقتل والسجن القيادات والكوادر السياسية و الثقافية. وفى محاولته لكسر الروح المعنوية وإخضاعها، لم يتورع فى قتل النساء والأطفال والشيوخ من دون تمييز.
وقام بتجريف الحقول وهدم المنازل، والإعتداء على دور العبادة الإسلامية والمسيحية فى القدس الشريف والحرم الإبراهيمي وكنيسة القيامة وغيرها.
وفى حركة متوازية مع هذا النهج، واصل بناء المستوطنات بلا توقف، واضعا وقرا على أذنيه، صدا لكل صيحات الإستنكار والرفض، ضاربا عرض الحائط بالقوانين والقرارات الدولية بعنجهية  مستفزة، فى تحدي سافر  ومشهود، وفتحت شهيته فى الإستيطان بلا حدود، حتى وصل  به الطمع إلى الإعلان عن ضم غور الأردن!
وانزوت القضية الفلسطينية، وقبعت فى ذيل الإهتمامات بعد خروج التأثير العربي عن دائرة الفعل القومي العربي، وبعد ان فقد دور الريادة والقيادة، وأضحى غير قادر على صنع الأحداث، وارتضى في أن يكون صدى لها وبصوت لا يسمع وإذا سمع لا يحظى بإلتفاتة.
تسبب إنشغال معظم الدول العربية في صراعات داخلية، وحروب أهلية وطائفية وجهوية، تقويها وتدعمها قوى الإستعمار القديم المتجدد فى إفساح المجال وتشجيع الدوائر المتربصة بالوطن العربي، بطرح مشاريعها الخبيثة والشريرة بعناوين ومسميات مختلفة، (كالشرق الأوسط الجديد وصفقة القرن)، والأمة تعيش فى سباتها وضعفها  هوانها قلة حيلتها.
وعظمت المأساة عندما هرولت دول ذات تأثير روحي وإقتصادي، وطبعت علاقتها مع الكيان الصهيوني بلا مقابل، ولا يخفى على احد أن كثير من الأنظمة العربية تقف فى محطات إنتظار قطار التطبيع، الأمر الذى جعل (رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين) نتنياهو يتبجح، ويعلن أكثر من مرة أن لهم علاقات مستمرة مع كثير من الدول العربية!
وكان الشعور الظاهر  –  والذى كاد أن يصل إلى درجة اليقين –  يشير إلى أن الأمة إستكانت ورضيت بحالتها البائسة، وأضحت مهيضة الجناح، مكسورة الخاطر، ولا حول لها ولا قوة، وإلى أن فلسطين، تعيش فى أسوأ حالاتها، وبخاصة بعد الإنقسام الفلسطيني/ الفلسطيني، والذى طال أجله وإستعصى على الحل.
فإذا بالعالم، يفاجأ بشعب الجبارين ينتفض من القدس الشريف، بكل ما يحمل من رمزية دينية وسياسية وتاريخية، و إذا بكل فلسطين تكسر حاجز الخوف وتهدم حواجز الجغرافيا وتلتحم مع بعضها البعض فى ملحمة نضالية، ألجمت العدو وأفقدته صوابه، وكعادته لجأ إلى القوة الغاشمة الغير متكافئة، مع شعب أعزل محاصر، لعله يخيف ويردع وينتصر.
 فخاب ظنه، فالإنتصار فى مثل هذه الحالات لا يقاس بالدمار وعدد القتلى والجرحى والآلة العسكرية، ولكن بإلنتائج النهائية لمحصلة الصراع.
ونحن نشهد ونرى الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني، الذى وُصف من معظم الشعوب العالمية بالعدوانية المفرطة وبالإرهاب وبالعنصرية، ولم تستطع آلته الإعلامية الضخمة أن تقلب الحقائق أو تزور المواقف، ولم تفلح فى شيطنة قوى الثورة الفسطينية الحقيقية، والتى لطالما وصفتها بالإرهاب.
فإنقلب السحر على الساحر، وأصبح الكيان فى مأزق بعد أن عجزت القبة الحديدية عن حمايته، وأستطاعت أسلحة ذات مقدرات محدودة أن تخترقها وتصيبه فى مقتل، وكشفت المعركة عن إنهيار الروح المعنوية لدى الصهاينة وشوهدوا وهم يهرولون كالجرزان إلى الأنفاق تحت الأرض، بينما شاهد كل العالم صمود الشعب الفلسطيني وتحديه للعدوان بإيمان  قوي وعزيمة لا تلين، فاقت كل التوقعات وأعطت العدو درسا قاسيا.
 وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. فالجزائر قدمت مليون شهيد ورحل المستوطن الغاصب مهزومآ مدحورا. وما حال فيتنام وكمبوديا واليمن الجنوبي ببعيد، دروس قيمة من تجارب الشعوب.
وإذا الشعب يوما اراد الحياة              فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي                       ولا بد للقيد أن ينكسر.
عادت القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء، ومركز الأحداث وقضية القدس الشريف إلى موقع الصدارة، وفرضت الثورة الفلسطينية مطالبها المشروعة بقوة أمام العالم، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل حق هذا الشعب فى أن يعيش عزيزا، مكرما على أرضه وداخل دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة.
وتبقى على الفصائل الفلسطينية إشتراطات لازمة وملحة وأساسية، وأولها، الإعتماد الأساسي على الشعب  الفلسطيني، وهو الوحيد القادر على النضال والإنتصار لقضيته العادلة، وإلى عدم الاعتماد على  شعوب أخري تكافح نيابة عنه، مهما كانت صلة القربى أو التواصل أو الصلات العرقية أو الجغرافية أو الدينية، ولا يحك جلدك مثل ظفرك.
وثانيها، التخلى تماما عن إتفاقية أوسلو، وبعد أن تخلى عنها الكيان الصهيوني عمليا، بخرقه المستمر لبنودها، ولن تخسر السلطة الفلسطينية شيئا، وهى الفاقدة لكل شيء جراء الإحتلال الإسرائيلي على مجمل الأراضي الفلسطينية.
وثالثها، أن تتوحد كل الفصائل الفلسطينية فى جبهة واحدة و على برنامج و ميثاق وطنيين يتفق عليهما   فى مرحلة النضال حتى النصر و إقامة الدولة الفلسطينية.
وبعد إقامة الدولة، يمكن لكل فصيل أن يكون حزبه الخاص به، وهذا يتطلب إنهاء الانقسام الفلسطيني الفلسطيني بأسرع وقت ممكن.
كل التجارب النضالية الناجحة، وصلت  إلى مبتغاها بالإتحاد و العمل الجبهوي الموحد.
ورابعا، التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، يقبل بها الشعب الفلسطيني  – صاحب المصلحة الوطنية  – وليس المجتمع الدولي المتحالف مع العدو الصهيوني. على أن تضم كل الفصائل الفلسطينية، بلا إقصاء لأي طرف، مهما كانت الدعاوى والأسباب والضغوط الخارجية.
هذه سانحة ينبغي أن تستغل بالطرق الصحيحة والسليمة، ولقد أنجلى قدر كبير من الظلام، واصبح يرى الضوء جليا قبل نهاية النفق، الذى ما عاد مظلما كما كان من قبل، وأضحت الرؤية والرسالة والأهداف واضحة، والكرة الآن فى يد المقاومة الفلسطينية، أن تجعل من هذه التضحيات الجسيمة، ومن الزخم السياسي والإعلامي المصاحب، أدوات فاعلة لترتيب أوضاعها، وتفعيل أكثر لمقدراتها الذاتية، والتعامل الإيجابي مع الوسائل النافذة مع قراءة صحيحة لعجلة وتطورات العالم السياسية.
وعلى خطى ما تقدمت من مقترحات، كمساهمة متواضعة لعلها تجد إذنآ صاغية.
========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى