مقالات

القناعة كنز زائف!

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..
من الأمثال السائرة التي يؤمن بها كثير من الناس، ويتّخذونها منهجًا في حياتهم، مثَل “القناعة كنز لا يفنى”، وهو مثل ينطوي على وهم مضلّل، يصادر حقّ الإنسان في تطلّعه نحو الأفضل، كما يصادر إرادته وحرّيته في السعي لتحقيق ما هو أمثل لحياته، فترى القانع بتلك المقولة مستسلما” لها بكلّ حبّ ورضى.
وفي هذه المقالة، سنحاول تسليط الضوء على مفهوم القناعة، وما يراد به في المثل السائر لنبيّن سلبياته وما يخلّفه من آثار وخيمة.
القناعة هي الاكتفاء والرضى بالقليل، وعدم الرغبة بأكثر ممّا حصلنا عليه.
إذا كانت القناعة بهذا المفهوم فهذا يعني أن ترضى بواقعك الذي أنت فيه مهما كانت سلبيّات هذا الواقع.
هذا يعني أن ترضى مثلا بحاكم مستبدّ ظالم، يمسك بسيف السلطة، ويطلق يد بطشه وقمعه وظلمه على الناس.
هذا يعني أن ترضى بطبقة سياسيّة فاسدة، همّها أن تحقّق مصالحها أو مشاريع الآخرين، ولو على حساب مصالح شعبها وحريته وكرامته.
هذا يعني أن ترضى بنظام اقتصاديّ فاسد ينتج مجتمعا طبقيًا، يضمّ طبقة من الفقراء المعوزين إلى جانب قلّة من أصحاب المال والثروة الطائلة وتحت سيادتها.
هذا يعني أن ترضى بالخضوع لمحتلّ غاصب، إذا كانت البلاد ترزح تحت حكم الإحتلال.
هي ذي طائفة من الأمثلة التي تشير إلى أنّ القناعة والرضى ضرب من الخضوع والاستكانة، وهو ما تأباه طبيعة الإنسان وكرامته.
إنّ طبيعة كلّ إنسان تأبى على صاحبها الجمود عند حدود الحاضر، بل تدفعه للتطلّع إلى المستقبل الذي يرى فيه آماله وطموحاته، فيعمل لها طارحا” منطق القناعة والرضى بالواقع القائم جانبا”.
ومن المهمّ أن نُلفت هنا إلى أنّ رفض منطق القناعة لا بدّ أن يترافق مع نبل وأخلاقيّة فلسفة التغيير نحو الأفضل؛ فما لم يكن التوجّه للتغيير مبنيّا على قواعد الضمير والقيم والأهداف النبيلة، فلا معنى ولا قيمة له على الإطلاق.
لكنّ مفهوم القناعة لدى بعضهم مرتبط بفكرة دينيّة؛ فالقناعة عند هؤلاء هي الرضى بما قسم الله لك، وما قسمه الله لك من رزق أو غيره، فهو حاصل لا محالة، رضيت أم لم ترض؛ فارض بما قُسم لك دون معاندة.
ولكنّنا هنا أمام وهم آخر؛ فلو سلّمنا بهذا المفهوم للقناعة، فما الذي يؤكّد لنا أنّ ما قُدّر لنا هو الاستسلام للواقع والقنوع به على ما فيه من سلبيات.
وليس العمل لتغييره؟ أليست الرسالة الإسلاميّة رسالة تغيير من أجل الإنسان، ممّا جعلها تشكّل نقلة نوعية كبيرة في تاريخ الحضارة الإنسانية؟
في الخلاصة، القناعة بما هي موقف سلبيّ من الواقع يناقض مسؤوليتنا في الإصلاح، فهي لا تحمل جدارة أن تكون ذلك الكنز الذي لا يطاوله الفناء.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى