الكيان يستعد و”المقاومة” تكثف عملياتها وتحتاط!
“المدارنت”
عندما كتب الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زياد: «أشد على أياديكم… وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم»، كان شباب غزة ونساؤها وأطفالها الحاليون لم يولدوا بعد، ولو عرفهم لبحث في بحار مكنونات الشعر عن ألفاظ أخرى تفيهم حقهم، لكي يضمنها قصيدته.. لأن غزة اليوم تصنع الحدث الأهم في تاريخ أمتنا، وتاريخ القضية الفلسطينية، وتقوم باللامعقول والمعجزات، في زمن كنا فيه بأشد الحاجة إلى ما يوقظنا، ويكنس الإحباط الذي نعاني منه منذ عقود، ويعيدنا إلى المواجهة بدل الهروب.
اليوم هناك شباب يواجه بجسد عار، أعتى وأقوى جيش في المنطقة، مدجج بأحدث أنواع الأسلحة، والدبابات المتطورة، وأشدها تحصينا. شباب تحولت صواريخهم التي وصفها يوما أحد أقطاب «السلطة الفلسطينية» بالمفرقعات، إلى كابوس يدك مضجع الكيان الغاصب، ويجبر سكان مستعمرات غلاف غزة على البقاء مهجرين.. شباب يقدم تضحيات، وبطولات، ستشكل بلا شك مرجعا لأجيال المستقبل، وكما أن كتب التاريخ تتحدث عن بطولات الأجداد الأوائل، فستدخل بلا شك أبطال غزة في حكاياتها، رغما عن الحاقدين وتلاميذ المستعمر.
ها نحن ذا على أعتاب السنة الثانية لانطلاق «طوفان الأقصى» المبارك، وكان هناك شبه إجماع لدى كل الخبراء، والمحللين على أنواعهم، أن المقاومة في غزة هاشم، ستستسلم تحت وقع القصف، وآلة الدمار الصهيونية والقتل المجاني، خلال أشهر معدودة، أقصاها ستة أشهر، خصوصا أن القطاع محاصر منذ قرابة العشرين سنة. واليوم قد تتوقف هذه الحرب الظالمة قريبا، خلال الأيام المقبلة، وقد لا تتوقف، وقد تعود وتندلع سريعا، خصوصا إذا ما جمع الكيان معلومات كافية، تتيح له القيام بعملية اغتيالات على غرار ما قام به في لبنان وطهران، وقد يحتل الكيان الفاشي كل القطاع، وقد لا يفعل كل ذلك، وهذا كله لم يعد بالأمر المهم أصلا، وأشبه بتفاصيل، لأن المقاومة في غزة، ورغم كل التحليلات والتكهنات، وبالخط العريض انتصرت، بعد صمود أسطوري، تعجز الكلمات عن إيفائه حقه.
يتساءل شاب فرنسي يعمل في السلك الدبلوماسي، كان ضمن وفد عائد للتو من زيارة للكيان، وهو غير مصدق ما رآه هناك، وما سمعه، فالخوف على كل الألسن والوجوه، والارتباك واضح في تصرفات كل الإسرائيليين، والوضع الاقتصادي في حالة يرثى لها، وشوارع تل أبيب لم تعد مزدحمة كما كانت من قبل، والجميع يطرح الأسئلة التي لا تنتهي حول غزة وأهلها، وفيما إذا كانوا بشرا مثلنا، ليتحملوا كل هذا الموت والدمار، وفيما إن كانوا هم فعلا من يقاتل أم شياطين سليمان… ومن أي تراب جبلوا وخلقوا؟ وهل من الممكن أن يتحمل بشر كل هذا القصف والموت والقهر والحصار؟ وحول هذا الصمود الذي لا يستطيعون فهمه، وتمسك الفلسطينيين بأرضهم! ويذكر أن ما فاجأه أكثر، أنه لا يوجد في قلوب من التقاهم في زيارته هذه، أي نوع من الشفقة والإنسانية على أهل غزة، بل على كل الفلسطينيين، وأنه يسرهم منظرهم وهم يموتون تحت القصف، وعندما يكونون في انتظار حصص المعونات الغذائية. ولا يخفون الشماتة بهم مطلقا، والكل مجمع على الانتقام منهم، ولديهم قناعة مرددين بلا حياء: «إما نحن، أو هم».. وهذا كان سابقا من التابوهات، ولا يجرؤ أحد على الإفصاح به من بين المسؤولين، وإن كان يضمره. لقد شكل الكيان ومنذ قيامه على أرض فلسطين، «البعبع» الذي كان يلوح به الغرب الاستعماري لكل أنظمة المنطقة، بعدما تم تجهيزه بأحدث أنواع الأسلحة، والتكنولوجيا المتطورة، بالإضافة إلى أن الكيان نفسه، وصل إلى مرحلة متطورة جدا في صناعة أجهزة وبرامج التجسس والمراقبة، مُسخرا لخدمته كل مختبرات جامعات العالم المتقدم، التي تصل بحوثها إلى أيدي مهندسيه وعلمائه فور صدورها.. وهو بدوره يستغل ذلك ويطوره، ليجد نفسه رغم كل ذلك، وبلا مقدمات، مهزوما أمام شباب بأسلحة خفيفة بدائية، يصفهم إعلامه، وكبير ساسة الكيان بـ«بتوع الشبشب».. فيهان أمام كل العالم، وتتهشم صورته، خصوصا أمام داعميه الذين يسلحونه حتى أخمص قدميه، بأحدث ما يملكون من أسلحة، لأنه خط دفاعهم الأول.
أما الغرب الاستعماري، فهو اليوم في وضع لا يحسد عليه، وغدا موقنا أنه سيكون مضطرا لدفع فاتورة هذه الحرب القذرة، في الوقت الذي يدفع فيه فاتورة الحرب بين أوكرانيا وروسيا. وهذه الفاتورة ليست بالطبع من أجل إعمار غزة، لأنه سيضع على غزة وسلطتها شروطه التعجيزية، التي لا يمكن تحقيقها، ليكتفي في نهاية المطاف ببعض المساعدات والمعونات الإنسانية المختلفة، الأشبه بالفتات. ولكن الفاتورة من أجل إعادة إعمار الكيان، ودعم اقتصاده الذي هو على شفير هاوية. فخسائر اقتصاد الكيان الصهيوني قد تخطت كل الخطوط الحمر، وهو في الطريق نحو الانهيار، إنها خسائر ضخمة بمئات المليارات، والأرقام التي تنشر لا تمثل الحقيقة، التي يبذل الكيان قصارى جهده من أجل إخفائها، متكتما على خسائره البشرية والاقتصادية، ويكذب في هذا المضمار على مواطنيه، لأن الإفصاح عنها يشكل مأساة كارثية، قد تتسبب في انهياره، والغرب يعلم، ويعرف، وبالأخص ماما أمريكا، ولكنهم ساكتون، لأن هذه المعركة في مكان ما هي معركتهم أيضا.

الكيان اليوم لا يريد توقيع أي اتفاق ملزم، ولا الانسحاب من غزة، ولا يريد أيضا أسراه! ويتربص بغزة، وينتظر الفرصة ليقوم بعملية سريعة غادرة وكاسحة، يسترجع من خلالها شرفه الذي انتهك، وينتقم بالضربة القاضية، وينهي شيئا اسمه المقاومة في غزة. ويحقق حلمه في تهجير قسم كبير من أهالي غزة، ويحتل قسما من القطاع، معلنا «انتصاره المطلق»، الذي يبحث عنه منذ أول يوم لهذه الحرب، ولا يهم عندها بالنسبة له أعداد الضحايا، ولا أنهار الدماء، تساعده في ذلك عشرات الأقمار الصناعية التجسسية، التي تراقب دبيب النمل في القطاع، بالإضافة إلى كل أنواع أجهزة التنصت والتجسس المتطورة، التي من تصنيعه، أو زوده بها الغرب مؤخرا. إنه ينتظر الساعة التي يشفي فيها غليله من «بتوع الشبشب»، ومعه كل الغرب المنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان، الذي تتظاهر شعوبه ضد هذه الحرب، وتطالب بإيقافها، فهذه التظاهرات التي تقوم في الدول الغربية، والتي يُسْمح لها بالتظاهر، ويتم افتعال بعض المشاكل مع منظميها أحيانا، إنما هي في حقيقتها جزء من اللعبة الديمقراطية، كما يفهمها الغرب الاستعماري، ولتبييض صورته في مكان ما.. في الوقت الذي استطاع فيه الكيان شراء وتجنيد مجموعة من العملاء، فأوراق العم سام الخضراء، تفعل فعلها في زمن الحروب والتجويع الممنهج، وضعفاء النفوس، الذين يخونون أهلهم وأوطانهم وقضيتهم، موجودون في كل دول العالم، وبين كل بني البشر، والتاريخ خير شاهد.
من المؤلم حقا، أن مشكلة المقاومة اليوم في غزة، لم تعد مع الكيان الغاصب فقط، بل مع الأنظمة المحيطة، التي تركت المقاومة في غزة وحيدة، تتفرج عليها وهي تذبح على المباشر. فلا ضغوطات من قبلهم، أو حتى مجرد عتب على الأمريكيين، ولا على حلفائهم من الغربيين، والكل مجمع في المنطقة على تصفية القضية، حتى جماعة السلطة أنفسهم، الذين أزعجهم جدا ما قامت به المقاومة في غزة في السابع من أكتوبر، حيث حشرتهم وكشفتهم وعرتهم أمام شعبهم، بعدما كان كل همهم الحفاظ على مراكزهم، وعلى العمولات التي أفسدهم وأغرقهم بها الكيان الغاصب، والأهم من ذلك، أن طوفان الأقصى سحب من أياديهم ملف قضية الأسرى، وحرمهم أيضا من الظهور على شاشات الفضائيات، التي كانوا يعولون عليها كثيرا في صراعاتهم مع بعضهم.. وبعبارة أخرى أكثر وضوحا، لا يوجد نظام عربي واحد يقبل ببقاء المقاومة على رأس الحكم في غزة، والمقاومة تعرف ذلك، ولهذا أخذت تقدم بعض الطروحات، والاقتراحات، لمرحلة ما بعد هذه الحرب اللعينة.



