عربي ودولي

النرويج.. فزاعة العداء للسامية في ليلة “الكريستال”!

يوناي غار ستور

“المدارنت”
استخدمت وزارة الخارجية الإسرائيلية لغة مقذعة ضد رئيس الوزراء النرويجي يوناي غار ستور، لم تبتعد فقط عن الحدود الدنيا الدبلوماسية للتخاطب في حال الخلاف أو حتى النزاع، بل تعمدت أيضاً حشد الاتهامات بتسجيل «أرقام قياسية جديدة في الانحطاط الأخلاقي والعداء لدولة الاحتلال»، ولم تغب بالطبع الفزاعة المألوفة حول العداء للسامية.
وكان غار ستور قد وافق على تلبية دعوة «المركز النرويجي لمناهضة العنصرية» لإحياء الذكرى الـ87 لأحداث 8 و9/11/1938 التي تٌعرف باسم «ليلة الكريستال»، وشهدت تحطيم الكثير من الزجاج خلال سلسلة من ممارسات الاضطهاد النازية ضد اليهود في ألمانيا. وأما «جريمة» الرجل فقد تمثلت في التغيب عن دعوة مماثلة وجهتها الجالية اليهودية في النرويج، الأمر الذي رأت فيه الخارجية الإسرائيلية مشاركة في تحويل الذكرى «إلى سلاح ضد الدولة اليهودية والإسرائيليين واليهود»، وبالتالي «إهانة لذكرى ضحايا الهولوكوست».
ومن العجيب أن توجه دولة الاحتلال تهمة تسييس الهولوكوست إلى مركز يناهض العنصرية، بينما دأب الكيان الصهيوني على ممارسة هذا التسييس تحديداً وعلى الدوام، بل ذهب به إلى مستويات قصوى في إهانة ضحايا المحرقة عن طريق احتكار عذابات اليهود ورفض مقارنتها بأي طراز آخر من المآسي الإنسانية في طول العالم وعرضه. وهذا عدا عن ارتكاب جرائم حرب في سائر فلسطين، وإبادة جماعية وحصار وتجويع في قطاع غزة، تستحق جميعها أبشع توصيفات الهولوكوست.
وبالطبع، وكما جرت العادة كلما رُفعت فزاعة العداء للسامية وأياً كان المقام والمكان، لم يشفع لرئيس الوزراء النرويجي أنه يشغل منصبه بموجب سيرورة ديمقراطية يتوجب احترامها لأنها تمثل شعب النرويج بأسره، وأنه خلال مشاركته أعلن بوضوح تام أن حكومته «ستبذل قصارى جهدها لحماية ودعم يهود النرويج وجميع الأقليات»، مشدداً على وجوب «أن تكون النرويج بلداً يمكن للمرء أن يقول فيه بفخر: أنا يهودي».
كذلك تقصدت خارجية الاحتلال إغفال حقيقة وجود مشاركات يهودية خلال فعالية المركز النرويجي، بينها شخصيات ومنظمات إسرائيلية أيضاً لكنها معروفة بمناهضة سياسات الاحتلال العنصرية والاستيطانية، وأخرى أمريكية على شاكلة «أصوات يهودية من أجل سلام عادل». ذلك لأنّ المعيار الدبلوماسي الإسرائيلي في تأثيم الهيئات ينطلق أولاً من إدانتها للإبادة الجماعية في قطاع غزة، ومن مناهضتها للعنصرية ومنظومة الأبارتايد، وليس إحياء ذكرى واقعة مأساوية تعني الإنسانية بأسرها حتى إذا كان يهود أوروبا أبرز ضحاياها.

وإذا كان رفع فزاعة العداء للسامية في مناسبة «ليلة الكريستال» ليس جديداً على طرائق توظيف ذاكرة الهولوكوست لاستجداء تعاطف العالم والتغطية على الفظائع الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1948 وما قبله أيضاً، فإن قاموس الشتائم الذي استخدمته خارجية الاحتلال ضد رئيس الحكومة النرويجية دليل جديد على حال الإفلاس والعزلة والافتضاح التي يعيشها الكيان الصهيوني، حتى في مواقع كانت بمثابة حصون منيعة في مناصرته وتأييده.
وليس خافياً أن اتهام غار ستور بـ«الانحطاط الأخلاقي» يشمل أيضاً سائر النرويجيين الذين يمثلهم الرجل، وليس مناهضي حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة وحدهم.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى