مقالات

النظام الغربي وتفكيره المزدوج: الإنسانية والأخلاقية تخصّه والوحشية والهمجية تخصنا!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
إزاء ما يقوم به هذا الكيان الغاصب (الإرهابي الصهيوني).. من عدوان وحشي همجي لاإنساني ولاأخلاقي، على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وما يقوم به من مجازر وإبادة جماعية بحق أبناءه، وكإستمرار لعدوانيته تلك ومجازره وإبادته منذ نشأته وما قبلها، برضى وبموافقة غربية، بل وبمساندة ومشاركة فعلية مباشرة من قبل النظام الغربي عموما، فإننا نقرأ، بل البعض منا يتعجب من الموقف الغربي هذا، بإعتبار موقفه هذا يتناقض مع إنسانيته وأخلاقياته التي يدعيها، وبأنه يكيل بمكيالين، ويطبق ازدواجية المعايير، وغيرها من تلك الادعائات التي يدعيها حول الإنسانية والأخلاقية، غير مدركين بأن ذلك الغرب الرسمي والغالبية العظمى لنخبه، وحتى الغالبية العظمى لعامته، وفي الأساس، وكظاهرة متأصلة ومستأصلة ومتجذرة فيه، ومنذ نشأته، فإنه لا يكيل بمكيالين، ولا يمارس ازدواجية المعايير، ولا يفعل ضد ما يؤمن به وتربى عليه، بل هو في إتساق تام وتناغم كلي، وتماهي ممزوج مع ذاته وجوهره..
إن المشكلة والإشكالية الفظيعة هنا، هي أن النظام الغربي لا يشعر بأنه يكيل بمكيالين، ويتبع ازدواجية المعايير فيما يقوم به ويفعله، فهو واقع تحت سيطرة بما يسمى في علم الاجتماع وعلم النفس بـ”التفكير المزدوج “، يسيره ويتحكم به بعد أن تجذر فيه..
هذا المصطلح “التفكير المزدوج” الذي قدمه، ولأول مرة، الروائي والأديب البريطاني/ جورج أورويل، في روايته المشهورة “1984”، حيث وضح ما قصده بهذا المصطلح “على أنه القدرة على الاحتفاظ بمعتقدين مختلفين متناقضين في الذهن في نفس الوقت، وقبولهما واعتناقهما منهجا في الحياة، من دون أن يشعر من يصاب به بأيّ تناقض بينهما، ومن دون أن يشعر بتأنيب الضمير، ومن ثم سلوكا وتصرفا وممارسة حياتية يومية مقبولة.
وهذا ما هو واضح وبين في النظام الغربي، بل إن الغريب عليه أن يفعل غير ما يفعله الآن، وإذا فعل ذلك فإنها البداية الحقيقية لنهايته، فهو قام منذ قرون، وما يزال مستمر، على استعمار الشعوب والأمم ونهب ثرواتها وتدمير إنسانها قبل أرضها، مجازر وإبادة جماعية لها وبحقها،وتاريخه الطويل شاهد على ذلك،.
مثلا: من ذلك الوهم الذي نعيشه، والذي يجعلنا نقول بأن النظام الغربي الحالي يكيل بمكيالين ويتبع ازدواجية المعايير، بأن دعمه اللامحدود لأوكرانيا، وكذلك دعمه اللامحدود لهذا الكيان الغاصب..
لكننا لو نظرنا إلى ذلك وفقا لجوهر طبيعته.. فإن هذا الدعم لكليهما ليس فيه أي تناقض، ولا يدل على أن هذا النظام الغربي يكيل بمكيالين ولا يستخدم ازدواجية المعايير هنا، بل إن دعمه هذا يتوافق مع جوهره، ومع الإنسانية والأخلاقية بمفهومه، فأوكرانيا، وهذا الكيان بالنسبة له هما المعتدى عليهما، وهما المهددان بزوال الإنسانية والأخلاقية التي يدعيها، ومن ثم تهديد حضارته، لذلك وجب دعمها، بل وجب عليه الدفاع عن مصالحه وحضارته أمام الوحشية والهمجية الروسية والفلسطينية كما يرى..
حيث إن الإنسانية والأخلاقية بالنسبة له هي إنسانيته وأخلاقياته تخصه هو، إنسانية وأخلاقية غربية فقط، نشأة وتجذرا فلسفيا وعقيدة، ومن ثم، وعيا بكل صوره الفكرية والثقافية والعقلية، وبكل مظاهرها الإجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبكل تعاملاتها وعلاقاتها مع بعضه البعض ومع الآخر المغاير له..
ذلك الآخر المغاير بالنسبة له، وعيا قبل سلوكا، هو وحشي، همجي،لا إنساني وبربري لا تنطبق عليه ولا تخصه الإنسانيته والأخلاقيه كما يفهما هو، ولا ينتمي إليها، بل إن إنسانيته وأخلاقياته تحتم عليه القضاء عليه وإبادته باعتباره يقف حجرة عثرة أمام الإنسانية والأخلاقية التي يؤمن بها، وبخاصة إذا كان يشكل تهديدا حقيقيا لمصالحه،..
من ذلك الآخر المغاير هو نحن كأمة،لذلك وجب القضاء عليها حتى لا تهدد مصالحه..
وعليه، ووفقا لكل ما سبق ذكره وأكثر، وكنتيجة حتمية: فإن دعمه اللامحدود، ومساندته اللامحدوده لهذا الكيان الغاصب، ومشاركته الفعليه له، عسكريا ومخابراتيا واعلاميا واقتصاديا ونفوذا، ليست بغريبة عنه، وليست بجديدة، فهي مستمرة منذ ما قبل نشأة هذا الكيان رسميا وما بعدها وحتى الآن،..
إن هذ العدوان الوحشي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، من قِبَل هذا الكيان الغاصب، وما يرتكبه من مجازر بشرية، ومن دمار شامل، وسابقاتها من المجازر الوحشية، تدل دلالة واضحة لا لبس فيها بأن جوهر الصراع بين أمتنا والغرب الرسمي المتوحش هو صراع وجود لا صراع حدود، وبأن الصراع ليس بيننا وبين هذا الكيان فقط.. بل بيننا وبين ذلك الغرب الرسمي المتوحش، فهم كتلة واحدة لا تتجرأ إنما هذا الكيان.. هو بمثابة رأس حربة متقدمة منغرسة في جسد هذه الأمة، والنظام الغربي الرسمي نظاما وحشيا وهمجيا وبربريا تجاه أمتنا، جوهرا ونشأة وتنشئة وهدفا وغاية، ومن ثم وسيلة وطريقة وسلوكا وتصرفا وممارسة،..
فهو لا يتوانى عن إظهار وحشيته تلك وممارسة واستخدام كل وسائل التدمير والخراب تجاه أمتنا، وفي أيّ بقعة جغرافية منها، متى ما شعر بأن مصالحه الحيويه في خطر أو حتى مجرد المساس بها،..
كل ذلك، ليس ضد ما يطرحه من إنسانية أخلاقية كما يتوهم البعض.. بل كجوهر أصيل فيه، فإنسانيته الأخلاقية تلك لا تخصّنا لا من قريب أو بعيد..بل تخصّه هو في تعامله مع أبناءه، بل إن تاريخه ملىء بأبشع المجازر تجاه بعضه البعض “الحرب العالمية الأولى والثانية” كمثل هنا فقط..إلخ
الخلاصة: يقول د. محمد عابد الجابري في كتابه القيم “مسألة الهوية، العروبة والإسلام.. والغرب”، ص117: “إن فلسفة التاريخ في الثقافة الأوروبية مبنيّة كلها فعلا على مسلمة: أن الإنسانية إنما خلقت من أجل أوروبا”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى