مقالات

انقسامات النظام الإيراني تتصاعد خوفًا من الانتفاضة!

حسين عابديني/ بريطانيا

خاص “المدارنت”
يتصاعد الصراع داخل أجنحة نظام ولاية الفقيه في إيران، بشأن المفاضلة بين المواجهة العسكرية والتفاوض مع الولايات المتحدة، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتزايد المخاوف من اتساع الغضب الشعبي. وبينما يتمسك التيار المتشدد بخيار التصعيد، يرى تيار آخر أن الديبلوماسية باتت ضرورة لتخفيف الضغوط وتجنب مزيد من الاضطرابات. غير أن هذا الخلاف، وفق قراءة معارضي النظام، لا يعكس اختلافا جوهريا بشأن طبيعة الحكم بقدر ما يكشف التنافس على السلطة والنفوذ، والبحث عن الوسيلة الأنسب لضمان بقائه.

صراع الأجنحة ينتقل إلى المواجهة العلنية
لم تعد الانقسامات داخل النظام الإيراني؛ محصورة في الكواليس، بل انتقلت إلى المواجهة العلنية، حيث يتبادل المسؤولون وأنصار التيارات المتنافسة الاتهامات بشأن كيفية التعامل مع واشنطن والأزمات المتفاقمة. ففي حين يرى المتشددون أن التصعيد العسكري والخطاب المعادي للولايات المتحدة يعززان تماسك السلطة، يخشى دعاة التفاوض أن يؤدي استمرار المواجهة والعقوبات إلى تفاقم الأوضاع المعيشية واتساع دائرة الاحتجاجات.
ويكشف هذا التباين عن مأزق سياسي متزايد؛ إذ تتفق الأجنحة المتنافسة على ضرورة الحفاظ على النظام، لكنها تختلف بشأن الطريق المؤدي إلى ذلك. فالتشدد قد يفاقم الضغوط الاقتصادية، بينما قد يثير التفاوض اعتراضات التيار الذي يعتبر أي مرونة تجاه واشنطن تراجعا عن الشعارات الأيديولوجية للنظام.

ثابتي يهاجم بزشكيان وقاليباف
في أحدث مظاهر هذا الصراع، شنّ أمير حسين ثابتي، أحد أبرز الأصوات المتشددة، هجوما على الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، منتقدا استعدادهما للتفاوض مع الولايات المتحدة. واتهمهما بالاستعداد للجلوس إلى طاولة الحوار مع واشنطن، رغم ما وصفه بتعارض ذلك مع موقف المرشد الجديد، قائلا إن “وفاقكم يمتد حتى البيت الأبيض”.
وتعكس هذه التصريحات تحول التفاوض إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية داخل النظام، حيث لا يكتفي المتشددون برفض المسار الديبلوماسي، بل يشككون أيضا في مواقف الداعين إليه. ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة صعبة تتمثل في محاولة تخفيف الضغوط الخارجية من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى المتشددة داخل مؤسسات الحكم.

محاكمة رمزية لروحاني وتصعيد ضد أنصار التفاوض
وبحسب التقرير، شهدت تجمعات ليلية نشرت صورها في وسائل إعلام تابعة للنظام، يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تنظيم محاكمة رمزية للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، إلى جانب ترديد شعارات معادية لمحمد جواد ظريف وحسين فريدون.
وتشير هذه التحركات إلى أن الخلاف بشأن التفاوض لم يعد نقاشا حول جدوى الخيارات الديبلوماسية، بل أصبح وسيلة لاستهداف شخصيات ارتبطت بمسار الانفتاح على الغرب. كما تكشف عن محاولة المتشددين فرض خطوط حمراء أمام أي توجه نحو التفاهم مع واشنطن.
وفي المقابل، انتقد بزشكيان، خلال اجتماع مجلس الوزراء في اليوم نفسه، الجهات التي تهاجم سياسات حكومته وتثير الانقسامات، قائلا: إن مثيري الفرقة لا يتوقفون عن إطلاق الشتائم والإهانات والاتهامات.
ويكشف هذا الرد عن انتقال الخلافات إلى قلب المؤسسات الرسمية، بما يعقد قدرة الحكومة على بلورة سياسة متماسكة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

قاليباف وكرباسجي.. بين الحرب والتفاوض
من جانبه، حاول قاليباف الجمع بين الخيارين العسكري والديبلوماسي، مؤكدا: “نحن نحارب ونتفاوض في الوقت نفسه”. ويعكس هذا الموقف محاولة للاحتفاظ بأوراق الضغط، مع إبقاء باب الحوار مفتوحا لتجنب مزيد من التصعيد. لكن الجمع بين المسارين يظل محفوفا بالتحديات؛ فاستمرار المواجهة قد يضعف فرص التوصل إلى تفاهمات، فيما قد يؤدي التخلي عن التفاوض إلى إطالة أمد الضغوط الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يزيد من صعوبة احتواء التداعيات الداخلية.

وفي السياق ذاته، دعا غلام حسين كرباسجي إلى اعتماد نهج التفاوض، ساخرا من الشعارات التي تتحدث عن تلقين الولايات المتحدة درسا قاسيا. واستحضر تجربة روح الله الخميني في قبول وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988، المعروفة بتعبير “تجرع كأس السم”، في إشارة إلى إمكانية القبول بتسوية صعبة عندما تصبح كلفة استمرار المواجهة مرتفعة.
وتبرز هذه المواقف التناقض بين الخطاب الأيديولوجي ومتطلبات إدارة الدولة، إذ لا تستطيع الشعارات وحدها معالجة الأزمات الاقتصادية أو تخفيف الضغوط الخارجية.

الخوف من الغضب الشعبي
وراء هذا الصراع، تبرز الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بوصفها أحد أهم العوامل المؤثرة في حسابات السلطة. فاستمرار الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية وتداعيات العقوبات والتوترات الإقليمية قد يزيد من سخط قطاعات واسعة من الإيرانيين.
وفي هذا السياق، تبرز عبارة “جيش الجياع” للتعبير عن مخاوف من تحول المعاناة الاقتصادية إلى احتجاجات أوسع يصعب احتواءها. ومع ذلك، فإن اتساع الاحتجاجات أو تجدد الانتفاضة ليس أمرا يمكن الجزم بحدوثه أو بتوقيته، إذ يرتبط بعوامل سياسية واجتماعية متعددة.
لكن الواضح أن الأدوات الأمنية وحدها لا تعالج الأسباب الاقتصادية التي تغذي السخط الشعبي. فبينما يراهن المتشددون على التصعيد وتعزيز القبضة الأمنية، يرى دعاة التفاوض أن تخفيف الضغوط الخارجية قد يمنح النظام فرصة لتجنب تفاقم الأزمات الداخلية.

الخلاف على وسائل البقاء
في المحصلة، لا تكفي الانقسامات الراهنة للاستنتاج بأن النظام الإيراني بات على وشك السقوط، لكنها تكشف صعوبة التوفيق بين حسابات أجنحته المختلفة. فالمتشددون يرون في المواجهة وسيلة لحماية نفوذهم وتعزيز خطابهم، بينما يعتبر دعاة التفاوض أن المرونة الدبلوماسية قد تكون ضرورية لتخفيف الأعباء وتجنب مزيد من الاضطرابات.
أما القوى المعارضة، فترى في هذه الخلافات مؤشرا على أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام على إدارة تناقضاته والاستجابة للمطالب الشعبية. وتراهن على أن استمرار الأزمات قد يوسع دائرة المطالبة بالتغيير، وإن كان تحقق هذا الاحتمال مرتبطا بتطورات داخلية معقدة، لا بمجرد وجود خلافات بين أجنحة الحكم.

وهكذا، فإن السؤال لم يعد مقتصرا على الاختيار بين الحرب والتفاوض، بل يتصل بقدرة النظام على مواجهة أزماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من دون تعميق انقساماته. وبين قرع طبول الحرب وفتح أبواب الدبلوماسية، يبقى الغضب الشعبي عاملا أساسيا في رسم ملامح المرحلة المقبلة، فيما تظل قدرة السلطة على احتواء الأزمات موضع اختبار متواصل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى