بين «الخروج» و«حنظلة».. أي قاع لتحولات المشروع الصهيوني؟
“المدارنت”
78 سنة تفصل بين «سفينة الخروج 1947» التابعة لمنظمة الهاغانا الصهيونية الإرهابية والتي بشرت بأولى موجات الاجتياح والاستيطان وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين التاريخية، وبين «سفينة حنظلة» أحدث مبادرات «تحالف أسطول الحرية» لإيصال مساعدات إغاثية وطبية إنسانية وكسر الحصار الشامل الهمجي الذي تفرضه دولة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 18 سنة.
هذه بالتالي قرابة ثمانية عقود من تحولات المشروع الصهيوني، وانكشاف سلسلة الأكاذيب التي جهدت لتصوير الكيان الإسرائيلي ملاذاً ليهود العالم من المحرقة النازية وكياناً يجسد أحلام كبار الصهاينة ساسة وفلاسفة وقادة إرهاب وميليشيات، وكذلك افتضاح خرافة دولة القانون و»الواحة» الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
ففي عرض البحر، وخارج أي ولاية قانونية حتى الزائفة منها والملفقة، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي مهاجمة السفن المسالمة أو إحراقها أو اقتحامها عنوة واعتقال ركابها، من دون الاكتراث باختلاق أي سبب آخر سوى رفض الاقتراب من شواطئ قطاع غزة، ومنع إيصال الغذاء والدواء لأكثر من 2,4 مليون طفل وامرأة وشيخ فلسطيني محاصَر ومُجوّع ومُعطّش.
لكن فوارق «حنظلة» لم تقتصر على أنها السفينة التي قطعت مسافة نحو شواطئ القطاع أطول من زميلات لها، فبلغت 70 ميلاً بالمقارنة مع «الضمير» التي سجلت 1050 ميلاً، ومادلين بمسافة 110 أميال، و»مرمرة الزرقاء» التي اقتربت حتى 72 ميلاً. كذلك لم يكن تنويع أنساق القرصنة الإسرائيلية هو معيار تميّز السفينة الأحدث، فلم تشهد استشهاد 10 من النشطاء سقطوا بسلاح الكوماندوز الإسرائيلي، ولم تحرقها المسيرات الإسرائيلية في مياه مالطا الإقليمية.
وإذا كانت السفينة ما قبل الأخيرة قد ضمت ناشطة البيئة الدولية الشهيرة غريتا ثونبرغ، فإن «حنظلة» حملت نشطاء من 10 بلدان، وعضوتين في البرلمان الأوروبي، واثنين من الأمريكيين اليهود أحدهما محارب قديم في الجيش الأمريكي، واثنين من حملة الجنسية المزدوجة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
فارق «حنظلة» الأول في المقابل كان أن السفينة دنت من القطاع وجرائم الحرب الإسرائيلية، في الإبادة الجماعية والتجويع والتشريد والتهجير وقصف المشافي والمخيمات ومنع إدخال المساعدات منذ أواسط آذار/ مارس الماضي، بلغت من الوحشية هاوية سحيقة غير مسبوقة، وضعت العديد من ساسة العالم أنصار دولة الاحتلال في حرج أقصى، وعجز عن تغطية الفظائع التي تُنقل على الشاشات أمام الرأي العام.
الفارق الثاني أنّ حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تسجل اليوم أكثر من 204 آلاف ضحية فلسطينية بين شهيد ومصاب غالبيتهم من الأطفال والنساء، وأكثر من 9 آلاف مفقود، وتدمير شامل للمأوى والعمران والبنى التحتية، وكل هذا وسواه بإدارة ائتلاف إسرائيلي حاكم يقوده مجرم حرب مطلوب من محكمة الجنايات الدولية، وبمساندة مادية وديبلوماسية وعسكرية من الولايات المتحدة، وصمت أو تواطؤ من حكومات غربية تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وبين «الخروج» بالأمس و«حنظلة» اليوم، كم من حضيض ينحط إليه المشروع الصهيوني، إذا كان ثمة قاع أصلاً؟



