بين السياسي الفاسد والإعلام المرتشي!

خاص “المدارنت “/ عندما يخرج مواطنٌ ما، أيّ مواطن على أثير الفضائيات والإعلام المحلي، ويُكيل شتّى ألفاظ الشتائم بحق من يُسَمّون «سياسيّو البلد»، الذين يتولّون شؤون العباد هذه الأيام، من دون أن يستثني أحدًا منهم، بعد أن فقد كل مبرّرات التنعُم بالحياة الكريمة، في بلدٍ سُلِبَت خيراته على أيادي هؤلاء السّاسة.. الذين سلبوا أحلام وطموحات شعبٍ بكامل طبقاته وشرائحه الاجتماعية، قبل أن تُصادَر أمواله المودعة في المصارف، لأيام الشدّة وتجنُب قهر السنين وشيخوختها…
يقودنا الفضول إلى السؤال التالي: هل فقد المواطن كل وسيلةٍ لمُخاطبة سياسي بلده…؟ وهل تجرّد هؤلاء الساسة، حتى من ذرّة كرامة وشرف، ليصمتوا من دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، ولو بحرف، أو كلمة يتيمة، تدفع عنهم الشتيمة، ويغسل ماء وجههم من رذاذها في أبسط الأحوال…؟! نعم، إنه هو، هذا السياسي، الذي لو لم يعرف أنه مُدان، وفاقد لكل إحساس بمعاني الكرامة والشرف، لاعترض منافحًا عن سُمْعته، أقله أمام أولاده، وأفراد أسرته والمحيطين به.
يلتقي سياسيّو لبنان مع أقرانهم في الحكومات، والذين تحوّل بعض الوزراء منهم إلى مجرد متسوّلين، أتقنوا فن التزلف والمديح الرخيص، لتسيير أمورهم العامة والخاصة. ويا ليت ذلك يقتصر على الداخل فقط، وإنما صار الخارج يتندر على هؤلاء العاجزين، حتى تاريخه عن التوافق على انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية، وعلى مجموعة «الماريونات»، التي تتخذ مُسمّى الوزراء، الذين لا يعرفون الحركة إلا كما تتحرك الدُّمى على أيادي مشغّليها.
وعندما يجد أحدهم فرصةً للكلام، تراه يشطح، ويذهب بعيدًا إلى مواقف غير مسبوقة، تدفع حتى بأولياء نعمته إلى التبرؤ منها، كما حصل مؤخراً في فضيحة ما سمي الحوافز المالية، التي استنسبت الدفع بالعملة الصعبة لموظفين دون سواهم، في واقعة تنُم عن مدى دونية الوزير أمام مُشغّليه، من دون إغفال المواقف الارتجالية لوزراء آخرين، استدعت إدخال البلد في أكثر من أزمة دبلوماسية مع المعنيين فيها من دول، ودفعت إلى أن يهرع الكبير قبل الصغير في البلد إلى الاعتذار، وابتكار شتى معاني الأخوّة.. لإزالة ما تمّ اعتباره إساءات، من دون احترام أيّ نِدِّية، يجب أن يفهمها القريب قبل البعيد، من منطلق احترام الدول لسيادة الدول الأخرى أولًا بأول.
إلى ذلك يقودنا الفضول إلى التساؤل ثانيةً: كيف لمن تهون عليه كرامته وشرفه، أن يكون في نفس الوقت وطنياً صادقًا مؤمنًا ومُدافعًا عن الوطن وسيادته وكبرياء مواطنيه في الأزمات والمُلمّات…؟ ثم، ألا ينطبق ما تقدم على الكثرة الساحقة من الإعلاميين، وتجار الرأي، بقدر ما يسحب نفسه بدقة على هؤلاء السياسيين، الذين قذفت بهم الصدفة إلى مواقع المسؤولية، فكان لمواهبهم في التصنُع والتبعية واللهاث وراء التسلُق السريع، ما سهّل لهم جواز المرور أمام رضا المصالح الإقليمية والدولية، التي لا ترحم في مواصفات من يتقدموا إلى مجالات الخدمة لديها، وأولاها الولاء الأعمى لمن يدفع ويحمي ويتستر ويتدخل لحجب الإدانة الوطنية عند الحاجة.
ثمة عاملَين جوهريّين يربطان السياسي الفاسد، بالإعلامي المُرْتشي. هما بمثابة حبل السرّة الذي لا ينقطع إلا بتوقُف المصالح بين الطرفين، ليُفتش السياسي عمن هو أكثر دونية من الآخر، ويبحث الإعلامي بدوره عن السياسي الذي يقدّر المواهب، ويعطيها حقها، كبدل مقطوع عن الكرامة المهدورة، في سبيل وليّ نعمته:
– العامل الأول: هو أن يتحوّل الإعلامي إلى بوق، بكامل مواصفات الارتزاق للسياسي، فيعمل على تلميعه وترويجه، وإظهاره بجمالية ما لا تقدر حتى البشاعة على إخفائها.
– العامل الثاني: هو أن يكون “أنتانا/ Antene”، أو هوائي الاتصال للسياسي، يرمي له ببعض المواقف العامة، وقد تكون مصيرية أحيانًا، ليستخلص مدى انعكاسها لدى الرأي العام، ويُقرر على أساسها التبني، أو نفض اليد منها.
مخجلٌ حقًا ما تقدمه لنا الوسائل الإعلامية، وفضائيات لبنان هذه الأيام، من برامج سياسية، تحمل مُسمّى الـ”talk show”، أغلبها برعاية سياسية مدفوعة الثمن سلفًا لتقتصر على نماذج سيئة غير مقبولة شعبيًا لدى الرأي العام اللبناني، الذي ما يزال يعيش ارتدادات سياسة حاكم مصرف لبنان، المنتهية ولايته منذ تموز الماضي، وما فاحت عنه من فضائح طالت سياسيّين وإعلاميّين، وحتى فنانين، بالاسم والشهرة، عملوا لحسابه طوال مرحلة حاكميته، بعد أن خصص لكل منهم رواتب شهرية ومخصصات وتسهيلات نقدية، لقاء حفلات التلميع هذه، بغية التأثير على الرأي العام اللبناني، الذي بقي لسنوات عدّة مصدّقًا أن الليرة اللبنانية بخير…!
أما عن الذين ينتظرون ظهور «غودو» لتولي الرئاسة الأولى، فإنك تسمع ولا تتعجب، كيف تُباع المواقف، وتُسْتَرخص المبادئ، وتتدحرج مصالح البلد العليا أمام طموحات حديثي النعمة، ممن دخلوا السياسة من أبواب الوراثة المُسْتحدثة، أو الدلال العاطفي، مما يدفع إلى الترحُم على أرباب بيوتات سياسية تقليدية، مشهودُ لها بمواقفها الوطنية، ورَكلها إغراءات الخارج لها بالرئاسة، مقابل التنازل والاستزلام، وإلى جانب ذلك، كان لديها من الحياء والأخلاق ما يمنعها عن مجرد التفكير بسلوك ما نشهده اليوم على أيادي المدافعين عن السيادة، والمحرومين والإصلاح والتغيير، وتقول في قرارة نفسك: فتّش عن الحياء إن وُجِد…!



