مقالات

“ألشعوب اللبنانيّة” و “الثورات” الفاشلة..!

أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
تندلع الثورات، عادةً، لتحرير البلاد من احتلال أجنبيّ أو لتخليصها من اغتصاب سلطة غاشمة، أو لتحصيل حقوق فئة قد طغت عليها أخرى، أو نتيجة لأحوال متردِّية أغرقت العباد في الفقر والعَوَز.
اقترن مفهوم الثورة، تاريخيًّا، بالتمَرُّد و العنف والتدخُّلات الخارجيّة لكلِّ من له مصلحة أو هدف. كذلك، كان لكلّ ثورة قيادة معروفة، وبرنامج واضح، وأهداف تحاكي تطلُّعات الشعب.
إذن، إنّ لكلّ ثورة ظروف نشأتها، وعوامل انطلاق شراراتها، وشروط استمراريّتِها من اجل تحقيقها أهدافها؛ فلا تُسمّى بهذا الإسم الّا اذا كانت لها أسباب موجِبة، وحواضن شعبيّة واسعة، بالإضافة إلى قيادتها وبرنامجها وأهدافها.
في لبنان، شهد التاريخ انتفاضات شعبيّة، جزئيّة، متكرِّرة، انتهت جميعها الى حروب أهليّة حيث دفع اللبنانيّون ، أثمانًا باهضة، من أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم واستقرارهم ومستقبل أجيالهم، وذلك منذ ثورة الفلاحين، بقيادة طانيوس شاهين عام 1i58 مرورًا بعدّة محطّات “ثوريّة”، وحتّى بداية الحراك الشعبيّ الحاليّ، الذي بدأ في 17 تشرين الأول عام 2019.
هذا الحراك، اكتسب العديد من صفات الثورة، لكنه لم يصل إلى الإمساك بناصيتها لأسباب كثيرة، أهمّها:
1 – عدم وجود قيادة علنيّة واضحة تستطيع استقطاب شرائح واسعة من “اللبنانيين”.
2 – عدم الحسم في موضوع الأهداف ووضوحها.
3 – ظهور الكثير من علامات التشويش على ارتباطات بعض الناشطين بجهات خارجيّة.
4 – ظهور وباء “كورونا”، و تداعياته في تقييد حركة الناس.
5 – تكتُّل أصحاب السلطة، كلُّهم، بكل قدراتهم وتمثيلهم الشعبيّ وعلاقاتهم، ضدّ أيّ تقدُّم نحو أيّ تغيير في النظام المذهبيّ.
أمّا السبب الجوهريّ، القاهر لأيّ ثورة في لبنان، هو تفشّي الوباء المذهبيّ والفئويّ الذي استحكم تاريخيًّا باللبنانيّين، وعشعش في كلّ زوايا مجتمعاتهم، وأصبح حاجزًا وسدًّا منيعًا بوجه ايّ تحرُّك سيأخذ الطابع العامّ؛ فأمام اللبنانيّين، في أيّ تحرُّك شعبيٍّ عامّ، عوائق لا تحصى ولا تُعَدّ، بعضُها وضَعَها الأجانب، وكثير منها نشأ بفعل داخليّ بحت، سبَبُه أنّ الذين يكوِّنون “الكيان اللبنانيّ”، لم يتمكنّوا من التحوُّل إلى شعب واحد، وانّما أمعنوا – باستمرار – في الانقسام والتفتُّت إلى شعوب كثيرة عند كلّ منعطف، وكل قضيّة وكلّ استحقاق.
عندما تأسّس لبنان “الكبير”، على أيدي الانتداب الفرنسيّ، كان فيه شعبان: واحد عروبيّ الهوى والانتماء، وآخر غربيّ الهوى والارتباط. هذان الشعبان، يضمّان داخل صفوف كلّ منهما مسيحيّين ومسلمين. ثمّ، مع تطوُّر الأحداث وظهور دعوات الوحدة العربيّة، اندلعت “ثورة” 1958، ثمّ، مع تغلغل الثورة الفلسطينيّة، اتّسع الانقسام واحتدّ إلى حين اندلاع الحرب الأهليّة عام 1975 التي تحوّلت، كغيرها، الى حرب بين المسلمين والمسيحيّين، بشكل عامّ، بعدما كانت بين القوى التقدُّميّة اليساريّة من جهة، والانعزاليّة اليمينيّة من جهة أخرى.
بعد ذلك، مع “تَدَوُّر” الصراع العربيّ/ الصهيونيّ إلى نزاع، بسبب اتِّفاقيّة كامب دايفد، وتراجُع مشروع الوحدة العربيّة والمدّ القوميّ العربيّ، ومع بروز التيّارات الدينيّة والمذهبيّة، بدعم ماليّ ولوجستيّ لم يشهد له مثيلًا من قبل، تحوّل الوضع في لبنان الى ما يتوافق مع المستجدّآت على الساحة الاقليميّة، فتحوّل الشعبان إلى شعوب كثيرة، منها الايرانيّ والتركيّ والأوروبّي والاميركيّ والروسيّ والدُوَليّ و.. الاسرائيليّ (الصهيوني) ايضا، ولم يبقَ من “الشعب اللبنانيّ”، الّا بُقَعٌ متفرِّقة تندب بلدًا كانت قد رأت فيه، يومًا من الأيام، وطن النجوم والخضرة والماء والوجه الحَسَن…
إذن، بالشعوب الكثيرة، لا نعني شعبًا مسيحيًّا وشعبًا مسلمًا وآخرًا علمانيًّا، او غيرهم، وانما شعوبًا يقتضيها واقع الحال فيها من جميع الملل والمذاهب والاديان والقوميّات والولاءات؛ ففي لبنان، عدد قليل جدًّا ممّن يسعون الى مشروع شعب لبنانيّ واحد، ولاؤه محصور بوطنه ودولته وقضاياه.
عندما بدأ الحراك الأخير، توسّم كثير من الناس خيرًا، وتصوّروا أنّ ساعة الحقيقة اللبنانيّة الجامعة الموحِّدة قد أتت، وأنّ الفرج قريب، وأنّ نهاية الذين نهبوا الاموال العامّة وعاثوا في البلاد والعباد فسادًا وافسادًا وتخريبًا قد أتت، وأنّ فجر لبنان الكرامة والشعب العنيد يبزغ من جديد. لكن، مع مرور حوالي السنة ونصف السنة على الشرارة التي أطلقها جمهور واسع من الناس، نرى احباطًا عامًّا لم يشهده اللبنانيّون في تاريخهم، بسبب تدهور سعر صرف العملة الوطنيّة، وانهيار مقوِّمات الاقتصاد الوطنيّ وانسداد أفق الحلول، ممّا ينذر بانفتاح الخراب على كلّ الأصعدة والمستويات – والاحتمالات.
لبنان، الذي وصفه كمال الصليبي في كتابه الذي نشره عام 1988، بيت بمنازل كثيرة، تحوّل الى مجرّد خيام ممزّقة متناثرة، تكشف عورات أصحابها، وتدلّ على الدرك الذي يمكن أن تصلَ اليه حقارة المسؤول ووضاعة التابع.
هو فعلًا كذلك. لكن، هل يأتي من ينفخ عن حاله غبار السنين والحقد والمذهبيّة و الفئويّة والفساد والافساد، ليجعل من حطام الانقسامات والتشرذم دولة مدنيّة عصريّة تحترم الانسان، وتفتح أمامه آفاق الحياة.
هل يستطيع حراك “الفرصة الأخيرة”، ان يتحوّل إلى حالة شبه عامّة، تجعل من حطام هذه الخيام بيتًا واحدًا ومنزلًا واحدًا وقرارًا واحدًا، يخرج منه شعب واحد، يبني دولة واحدة ومستقبلًا واحدا!؟
ألأشهر القليلة القادمة، ستُخرِجُ إلى العلن كلّ ما يعتمل داخل تلك الخيام الممزّقة الرثّة، وسيولد ما يولد، ممّا حبلت به أطماع الطامعين، كلِّهم، اذا لم ينهض ما تبقّى من “اللبنانيّين” من سُباتِهم العميق..
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى