تدويل الوضع اللبنانيّ وتداعياته..!

خاص “المدارنت”..
منذ نشوء الكيان اللبنانيّ المعاصر عام 1920، بقرار “دوليّ”، لم يستقرّ وضعه الّا لفترات قصيرة، متقطِّعَة، لا تكفي لأن تفسح مجالًا للتنمية الشاملة، وتحقيق ما تسعى اليه الدول، عادة، من محاولات التقدُّم والتطوُّر والازدهار لشعوبها.
خطا لبنان، بعض الخطوات نحو بناء دولة المؤسّسات، في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب، 1958 – 1964، ما لبثت أن دمّرتها الحرب الأهليّة التي اندلعت عام 1975، واستمرّت حتّى العام 1990.
اذا أردنا الايجاز، يمكننا القول بأنّ تاريخ لبنان الحديث مليء بالأحداث والأزمات أكثر منه بالأمن والاستقرار والازدهار. يعود ذلك لأسباب عديدة، منها داخليّة ومنها خارجيّة ومنها بسبب نظامه السياسيّ وتركيبه المذهبيّ.
لذلك، لبنان ما يزال في حروب أهليّة، منها عسكريّة ومنها سياسيّة ومنها اجتماعيّة، لم تتوقَّف للحظة واحدة، ممّا جعل البلاد في حالة تخبُّطٍ مستمرّ تمنع عنها الاستقرار المطلوب للدخول في مشروع دولة قادرة على تنمية وتطوُّر وتقدُّم لشعبها.
لذلك، علينا فهم حقيقة أسباب مآلات الوضع، لكي نكون قادرين على رسم خارطة طريق، تضمن انتشال البلد ممّا هو فيه، ووضعه على سكّة النهوض، وبناء حياة حرّة كريمة لشعبه ومواطنيه.
أوّلً ، إنّ تركيبة البلد كانت نتيجة قرارات دوليّة ، أهمّها معاهدة سايكس/بيكو، ممّا يدلّ على أنّ هؤلاء ” اللبنانيّين” سُلِخوا عن محيطهم الكبير، وجُمِّعوا على أسس مُبتَدَعَة لخدمة الذين قرّروا تجميعَهم بهذا الشكل، ولغايات في نفس “يعقوب”.
ثانيًا، إنّ النظام السياسيّ الذي أُجبِرَ هؤلاء “اللبنانيّون” على بناء حياتهم على أساسه، هو أفخاخ وألغام دائمة، تنفجر عند اوّل إشارة تأتي من هنا أو هناك.
ثالثًا، إنّ الفساد المزمِن داخل شرائح الطبقة السياسيّة والاداريّة، قد وجد حصونه المنيعة في ظلّ النظام السياسيّ الطائفيّ الانشطاريّ المحمِيِّ ذاتيًّا ودوليًّا.
إذن، لبنان لا ينقصه قدرات او امكانيّات او موارد طبيعيّة او دعم “ماليّ” من أشقّائه العرب الذين “فُصِلَ” عنهم، كما فُصِلوا” هم عن بعضهم البعض نتيجة القرارات الدوليّة الهادفة الى السيطرة المستمرّة عليهم عن طريق تقسيمهم وتجزئتهم وتفتيتهم لمنعهم من تشكيل دولة واحدة في هذه المنطقة الحسّاسة والمهمّة من العالم، ومن أجل تكوين دولة المشروع الصهيونيّ، وتثبيت وجودها ودورها المستقبليّ. لبنان، على العكس، مليء بالكفاءات والقدرات البشريّة التي أثبتت نجاحها في الإدارة والتجارة والسياسة والاقتصاد، وكل مجالات الحياة، في كلّ مكان هاجرت اليه واستقرّت فيه؛ فنجاحات اللبنانيّين حول العالم، في كل بلاد الانتشار، أكثر من أن تحصى او تُعَدّ كمًّا ونوعا.
من هنا يكون باستطاعتنا أن نرى، بوضوح تامّ، خارطة طريق صحيحة وسليمة، وهي بنقاط ثلاث، أيضا:
اوّلًا، التركيز على إنشاء عقد اجتماعيّ محلِّيّ يصنعه أبناء لبنان – دون أيّ تدخُّلٍ خارجيّ او استدعاء له.
ثانيًا، تغيير النظام السياسيّ الى نظام مدنيّ، بحت، ينتج عنه دولة مدنيّة عصريّة قادرة على الخروج من الخراب الى النهوض والتقدُّم والتطوُّر والازدهار . الدولة المدنيّة هذه يكون دستورها مَبنِيًّا على احترام الانسان بكفاءاته وقدراته، بعيدًا عن العرق واللون والعائلة والحزب والطائفة والمذهب، وكل أشكال التمييز بين المواطنين؛ مثل كندا.
ثالثًا، محاسبة الطبقة السياسيّة والاداريّة الحاكمة، واستعادة أموال الدولة المنهوبة. بهذا يكون لبنان قد خطا نحو الحياة التي يستحقّ هو و شعبُه.
أمّا التدويل، فيعني تسليم أمر البلاد الى الأمم المتّحدة ومجلس الأمن؛ أي الى الدول الكبرى، التي بدورها سوف تسلِّم ادارته، في نهاية المطاف، الى حلفائها الاقليميّين بالتحاصص وتقاسم النفوذ؛ وبذلك نكون قد عدنا الى المُرَبَّع الاوّل، ودخلنا في نفس الدوّامة بمذاق جديد ربّما يكون اشدّ مرارة.
أمّا اذا كان البعض يعتقد انّ التدويل خطوة نحو الحياد، فهذا سيكون اشدّ خطرًا على حاضر لبنان ومستقبله – لأنّ معظم حياة البلد المعاصرة صنعها التدويل المتكرِّر؛ إذ انّ البلد – شئنا أم أبينا – جزء من أمّة العرب، ولا يستطيع أن يكون محايدًا عندما يتعلّق الأمر بقضاياهم الجوهريّة، مثل قضيّة فلسطين والصراع العربيّ/ الصهيونيّ.
لكن، اذا قلنا تحييد لبنان عن الدخول في اتون الصراعات في المنطقة – نظرًا لصغر حجمه وتركيبتِه الحاليّة المتنوِّعة رؤيَوِيًّا – وتجنبيه الحروب والويلات وعدم تعريضه للاخطار المُحدِقة، فهذا مطلوب وضروريّ، من خلال اتِّباع سياسات حكيمة مُتَّزِنة لمصلحة البلاد والعباد.
إذن، نعم للتحييد ولا للحياد، ونعم للحلول الجذريّة الداخليّة التي يصنعها أبناء الوطن، ولا للتدويل، ونعم للدولة المدنيّة العصريّة التي تحارب الفساد، وتنهض بالبلاد والعباد الى رحاب الأمل والحياة، ولا لاستمرار تحكُّم هذه العقليّة السائدة في السياسة والادارة والمصير ..



