عربي ودولي

ترحيب أممي بالسعي لتوحيد المؤسسة العسكرية بين شرق وغرب ليبيا!

 ستيفاني خوري

“المدارنت”
في مشهد ليبي يتقاطع فيه العسكري بالسياسي والاقتصادي، تعود مؤشرات توحيد المؤسسات إلى الواجهة مجددًا، مدفوعة بحراك داخلي وتقاطعات دولية متسارعة، وسط محاولات لاستثمار أي تقدم ميداني في كسر الجمود السياسي الممتد منذ سنوات. ويبرز هذا الحراك في لحظة حساسة تتزايد فيها الضغوط لإعادة بناء الدولة، في ظل توازنات دقيقة بين الفاعلين المحليين وتدخلات خارجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق رحبت نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للشؤون السياسية، ستيفاني خوري (من أصول لبنانية)، بالخطوات المشتركة بين شرق وغرب ليبيا نحو توحيد المؤسسة العسكرية، مؤكدة أهمية البناء على هذا الزخم لدفع مسار توحيد بقية مؤسسات الدولة، وربطه باستحقاق الانتخابات كمدخل لتجديد الشرعية السياسية في البلاد.
وجاءت تصريحات خوري خلال لقاء جمعها بنائب قائد قوات شرق ليبيا الفريق أول صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي الفريق أول عبدالرازق الناظوري، حيث ناقش المجتمعون التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية، في سياق يعكس تداخل المسارات المختلفة في إدارة الأزمة الليبية.

وأكدت المسؤولة الأممية دعم البعثة للاتفاق الأخير حول الإنفاق العام الموحد، معتبرة إياه خطوة محورية نحو تعزيز الشفافية والانضباط المالي، في إشارة إلى تزايد الرهان الدولي على المسار الاقتصادي كمدخل لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.
ويأتي هذا الحراك بالتوازي مع تطورات ميدانية لافتة، أبرزها انطلاق مناورات «فلينتلوك 2026» في مدينة سرت، والتي تعد أول تدريبات مشتركة بهذا الحجم تجمع قوات من شرق وغرب ليبيا، بمشاركة دولية تقودها الولايات المتحدة.
وتحمل هذه المناورات دلالات تتجاوز البعد العسكري، إذ يُنظر إليها كاختبار عملي لإمكانية التنسيق بين المؤسسات الأمنية المنقسمة، في ظل سعي دولي لدفع مسار توحيد الجيش الليبي كركيزة أساسية للاستقرار.

ورحبت بعثة الأمم المتحدة بمشاركة ممثلين عن المؤسسات العسكرية والأمنية من مختلف المناطق في هذه التدريبات، معتبرة أن هذا الانخراط المشترك يمثل خطوة مهمة في اتجاه بناء مؤسسات موحدة، داعية إلى استمرار هذا النهج وتعزيزه خلال المرحلة المقبلة.
واعتبرت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» أن تمرين «فلينتلوك» يجسد شراكة فعالة تتجاوز التدريب التقليدي، فيما رأت السفارة الأمريكية لدى ليبيا أن استضافة هذه المناورات تعكس قدرة الليبيين على العمل المشترك، بما يسهم في تحسين التنسيق الأمني على المستوى الإقليمي.

وفي موازاة هذه التطورات، شهدت العاصمة طرابلس اجتماعًا عسكريًا موسعًا برئاسة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، خُصص لبحث وضع ضوابط لتنظيم المناورات العسكرية داخل البلاد وخارجها، مع التأكيد على الالتزام بالإجراءات القانونية والعسكرية المعتمدة.
وناقش الاجتماع كذلك خطط إعادة هيكلة رئاسة الأركان العامة، بما يعزز مفاهيم القيادة المركزية والانضباط العسكري، في محاولة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية موحدة، قادرة على أداء مهامها الوطنية بكفاءة.

وتعكس هذه التحركات، سواء في سِرت أو طرابلس، وجود مسار عسكري موازٍ يسعى إلى تجاوز الانقسام المؤسساتي، مستفيدًا من دعم دولي واضح، ومن رغبة داخلية متزايدة في إنهاء حالة التشتت الأمني.
غير أن هذا المسار لا ينفصل عن سياق أوسع يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، حيث يشكل اتفاق الإنفاق العام الموحد، الذي جرى توقيعه مؤخرًا بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، أحد أبرز مؤشرات التقارب بين المؤسسات المنقسمة، بعد أكثر من عقد على الانقسام المالي.

ويرى متابعون أن الربط بين المسارات الثلاثة، العسكري والاقتصادي والسياسي، يعكس توجهاً دولياً لإعادة هندسة المشهد الليبي بشكل تدريجي، عبر بناء الثقة بين الأطراف من خلال خطوات عملية على الأرض، بدل الاكتفاء بالمسارات التفاوضية التقليدية.
وفي هذا السياق، تبرز تحركات دولية، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، لدعم هذه المسارات المتوازية، سواء عبر رعاية لقاءات سياسية، أو دعم التوافقات الاقتصادية، أو تعزيز التعاون العسكري، وهو ما يثير في المقابل تساؤلات داخلية حول حدود هذا الدور وتأثيره على السيادة الوطنية.

وبينما ترحب بعض الأطراف بهذا الانخراط الدولي باعتباره ضرورة لكسر الجمود، تبدي أطراف أخرى تخوفها من أن تتحول هذه التحركات إلى أدوات لفرض تسويات لا تحظى بإجماع وطني، خاصة في ظل غياب توافق دستوري شامل يحدد مسار العملية السياسية. وفي خضم هذه التباينات، تبدو بعثة الأمم المتحدة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على الحفاظ على دورها كوسيط رئيسي، في ظل تعدد المسارات الدولية وتداخل المبادرات، ما قد يضعف من مركزية المسار الأممي إذا لم يتم تنسيقه مع باقي الجهود.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية، سواء عبر اللقاءات العسكرية أو المناورات المشتركة أو الاتفاقات الاقتصادية، توحي بوجود فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية، إذا ما تم استثمار هذا الزخم بشكل متوازن يراعي الاعتبارات السياسية والسيادية.

“وكالات”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى