ترسيم الحدود والمدخل الى التطبيع..!

خاص “المدارنت”..
كان لبنان، و”اللبنانيّون”، منذ ما قبل بداية نكبة فلسطين والعرب، عنصرًا فاعلًا وفعّالًا – على الرغم من صغر حجمهِ وامكاناتِه – في كلّ مراحل تطوُّر القضيّة الفلسطينيّة التي شكّلت مفاصل الحياة العربيّة، كلِّها، في هذا العصر.
لبنان عضو مؤسِّس في الجامعة العربيّة، و”اللبنانيّون” – أفرادًا ومجموعات – مؤثِّرون في السياق العامّ للأحداث، وفي بعض المحطّات، من حيث مواقعهم المتنوِّعة والمنتشرة حول المنطقة والعالم.
“لبنانيّون”، من جميع المِلَل والمذاهب الدينيّة والسياسيّة، انخرطوا في أتون الصراع الطويل بين المشروع الصهيونيّ وحلفائه وحواضنِه، من جهة، والمشروع العربيّ المقاوم، من جهة أخرى، وما بينهما من تداخلات وتعقيدات؛ منهم مَن حارب المشروع الصهيونيّ بكلّ ما يملك من قدرة وامكانيّة، ومنهم من ساعده – ولو سرًّا – بكلّ الوسائل المُتاحة، وآخرون لعبوا على جميع الأطراف لتحقيق المصالح والأرباح.
إذن، لم يكن “اللبنانيّون”، منذ البداية، بعيدين عن التفاعل مع سلطة الكيان الصهيونيّ او مع حواضنها وادواتها في المنطقة والعالم؛ فكلّ من يقيم العلاقات الودِّيّة مع أميركا والغرب، او الشرق، المُتَبَنِّي للمشروع الصهيونيّ، بشكل عامّ، هو على شُعبَةٍ من شُعَب العلاقة مع “اسرائيل” (الكيان الصهيوني)!
عندما قرّرت السلطات اللبنانيّة، في الخريف الماضي، الاشتراك في محادثات ترسيم الحدود البحريّة مع دولة “اسرائيل” (الكيان الصهيوني)، لم تكن هذه هي المرّة الأولى؛ فقد سبقها محادثات عديدة في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن، بين ضبّاط لبنانيّين وسوريّين و”اسرائيليّين” (صهاينة) في الناقورة، أيضا، وقبل ذلك في اتّصالات الهدنة.. امّا ترسيم الحدود البحريّة السوريّة/ اللبنانيّة في الشمال، وترسيم الحدود البرّيّة الجنوبيّة الشرقيّة – في مزارع شبعا – فقد حسمها الرئيس بشّار الأسد، من جانب واحد، وانتهى الأمر!
إذا استعرضنا شريط الخلافات والصراعات مع العدوّ الصهيونيّ، والاحتكاكات به، وبممثّليه، من خلال الصليب الأحمر والمنظّمات الدوليّة المختلفة، لوجدنا أنّ خيوط “الاعتراف” به قد نُسِجَت منذ زمن طويل – وان لم تُكتَب في معاهدات، وتُدَوّن في مواثيق. أمّا التطبيع فلم يخرج الى العلن – مع انّ كثيرًا من الأفراد لا يجدون حرجًا في التصريح بذلك.
هنا، لا بدّ من الاشارة الى انّ أميركا، وغيرها، ممّن يهتمّون بملفّات المنطقة، لا يهمُّها الّا الحفاظ على أمن “إسرائيل” (الكيان الصهيوني) واستقرارها وديمومتها؛ فأميركا مستعدّة لان تصفح عن كلّ من يناصبها العداء، فعلًا أو قولًا، وان تفتح ذراعيها وخزائنها لهم – وكفى الله المؤمنين شرَّ القتال – في حال التزموا بما تأمرهم به، حول ما يتعلّق بأمن واستقرار “اسرائيل” (الكيان الصهيوني)! أمّا آفاق أهداف السياسيّين اللبنانيّين، فلا تتعدّى تأمين مصالحهم واولادهم وأقارهم وازلامهم، و”رئاسة” أصهرتِهِم – ومن بعدهم الطوفان – في هذا الزمن العربيّ الرديء..
إذن، هدف السياسة الاميركيّة، في المنطقة، يتمحور حول “اسرائيل” (الكيان الصهيوني)، فقط، ولا يتعدّى حذاء الجنديّ الصهيونيّ..
من هنا، رأينا أنّ كل الحروب المتنوّعة في المنطقة، من العراق الى سوريا الى اليمن الى ليبيا، ثمّ الى لبنان – بطريقة مختلفة – هدفها اخضاع الشعوب وقبولها بالاعتراف باسرائيل (الكيان الصهيوني)، والتطبيع معها، والعيش في ظلّ هيمنتها وسطوتها؛ ذلك لأنّ الحكّام والمسؤولين وأولياء الأمور الاساسيّين، على اختلاف مشاربهم، كانوا قد اُخضِعوا منذ زمن طويل، وتمّ توظيفهم لتهيئة الأجواء المناسبة ليوم الإعلان التطبيعيّ الكبير..
لو ألقينا نظرةً موضوعيّة على واقع معظم “اللبنانيّين” – ناهيك عن واقع أصحاب السلطة والتفوذ – لوجدنا أنّهم جاهزون، بل متعطِّشون، للتطبيع مع “اسرائيل” (الكيان الصهيوني)، بعدما نهَبهُم حكّامُهُم ومسؤولوهم وأولياءُ أمورهم، وعاثوا في الأرض فسادًا وافسادًا وخربوا البلاد وشرّدوا العباد.
أصبح “اللبنانيّون”، يهرولون وراء رغيف الخبز، وكلّ ما يتعلّق بالموادّ الأساسيّة، للبقاء على قيد الحياة!
إذن، هناك مَن خطّط ومَن نفّذ، خلال عشرات السنين، من أجل إيصال لبنان و”اللبنانيّين”، الى هذه الخيارات الصعبة والمُرّة التي تفرض الاعتراف العلنيّ والتطبيع – عاجلًا ام آجلا – الّا اذا حدثَت معجزة، لم يحسب حسابها أحد!
لذلك:
لا يَخـدَعنـــــكَ هتــــــافُ النــــــاس للـوَطَـــــنِ
فالنـــاسُ فـي السِــرِّ غَيــرُ النــاسِ في العَلَــنِ
=======================



